المشاركات

حين يلتفت القلب

صورة
حين يلتفت القلب بعض الغياب يبدأ حين يلتفت القلب فلا يرى خلفه سوى صدى خطواتهم القديمة. لا نكتشف رحيل بعض الأشخاص لحظة مغادرتهم، بل حين نحتاج إلى صوتهم فلا نجده، وحين نبحث عن تفاصيل اعتدنا وجودها فتقابلنا المسافات بالصمت. يمضي الوقت، وتبقى أماكنهم كما هي؛ كرسيٌّ ينتظر، وذكرى عابرة تطرق القلب دون استئذان. نحاول أن نقنع أنفسنا أن الغياب مجرد مسافة، وأن الأيام قادرة على أن تُنسي، لكن هناك أشياء لا تنساها الروح، بل تتعلم فقط كيف تحملها دون أن تنكسر. ربما لم يكن أصعب ما في الرحيل أنهم ذهبوا، بل أنهم تركوا خلفهم جزءًا منّا لا يعرف كيف يعود كما كان. تركوا ضحكاتٍ عالقة في الذاكرة، وكلماتٍ نرددها دون أن نشعر، وطرقاتٍ كلما مررنا بها تذكّرنا بمن كان يسير إلى جوارنا يومًا. وفي النهاية، ندرك أن بعض الغياب لا يعني نهاية الحكاية، بل بداية فصلٍ جديد نتعلم فيه أن نحب الذكريات دون أن نسكن فيها، وأن نمضي إلى الأمام، حتى وإن ظل خلفنا صدى خطواتٍ قديمة لا نملك إلا أن نبتسم كلما سمعناها في أعماقنا. روان أحمد فقد وغياب — حنين — تجاوز

لا التفات والروح كاملة

صورة
*لا التفات والروح كاملة* تظنّين أن القسوة أن يرحل أحدهم فجأة من حياتك، وما علمتِ أن القسوة الحقيقية تكمن في البقاء بصورةٍ مؤذية، أو في غيابٍ يأتي محمّلًا بلسعات الخذلان بعد أن كنا نتوسّم فيه الأمان. لم تكن مجرد عابرة في زحام الأيام، بل كنتِ الوجة الذي أستظل به من قسوة العالم، كنتِ الملجأ الذي اهرب إليه من العالم المؤذي؛ فإذا بكِ أنتِ والعالم عليّ. وحين أدركني التعب فلتفتّ ورائي أبحث عن يدٍ تمتد لتربت، أو عن ذلك الدفء القديم الذي عاهدته، لم أجد شيئًا يملأ الفراغ "بعض الغياب يبدأ حين يلتفت القلب فلا يرى خلفه سوى صدى خطواتهم القديمة." خطواتٌ لم تترك أثرًا طيّبًا، بل خلّفت وراءها غبارًا أعمى البصيرة، وندوبًا حفرتها الأفعال المؤذية على جدار الروح. كم هو موجعٌ أن يتحول اسم من أحببتِ إلى جرحٍ تتهربين من سماعه، وأن تصير الذاكرة التي احتضنت تفاصيلكم مقبرةً للوعود الزائفة. لكنني اليوم، أودّع ذلك الصدى الموجع بلا رجعة؛ فالأرواح التي تُتقن فنّ الأذى عند الوداع، لا تستحق أن يلتفت لها القلب مرّة أخرى. رحلتِ ومعكِ كل الأنقاض، وبقيتُ أنا أطهر، وأقوى، وأطيب وأكثر اكتمالًا بنفسي، لم أعد أستظل ...

أذى لا يُنسى

صورة
*أذى لا يُنسى*  في يومٍ كانت شمسه سوداء، ذلك اليوم الذي عرفتُك فيه. عرفتُ حينها أن النافذة المغلقة يمكن أن تُفتح، لكن بعد فتحها تتمنى لو أغلقتها مرةً أخرى، ولكن هذه المرة، تغلقها بمفتاحٍ مكسور. كانت رائحة النعناع تملأ البيت، وكنتُ أحبّه، لكن حين عرفتُ أنك تحبّه؛ كرهته. ليس كرهًا للنعناع، وإنما لك. فما جُرْمُه، وأنتَ المذنب في حقي؟ أرى ساعة الحائط حين تدق السابعة مساءً، في ذلك الموعد الذي التقينا فيه، فأودّ حينها أن أكسرها.  أو أكسرك أنت. فما ذنب الساعة التي تذكّرني بأبي، وأنتَ من جعلتَ بعض ذكرياتي ثقيلةً إلى هذا الحد؟ #آلاء_عادل علاقات مؤذية — صدمة عاطفية — ذكريات مؤلمة

" الرحلة الأخيرة "

صورة
#أثر_الرحيل#_#وداع_أبدي# كانت ساعة حائط معلّقة في الغرفة، عقاربها تدور ببطء كأنها تُحصي أنفاسه الأخيرة، كل دقيقة تمرّ كانت أشبه بصفحة تُطوى من كتاب العمر، جلس قرب نافذةٍ مغلقة، يتأمل الظلام خلف الزجاج، وكأن العالم كله قرر أن يغلق أبوابه في وجهه، لم يكن هناك سوى صمتٍ ثقيل، يقطعه بين حين وآخر صوت ارتجاف قلبه على الطاولة أمامه، وُجدت رسالة قديمة صفراء الأطراف، كتبها يومًا لحلمٍ لم يتحقق، مدّ يده المرتعشة إليها، قرأ بعض السطور، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة، كأنها وداعٌ أخير لما مضى. فجأة انتشرت في الغرفة رائحة النعناع من كوبٍ صغير كان يضعه بجانبه، رائحةٌ منعشة لكنها بدت غريبة وسط ثِقل اللحظة، كأنها تذكّره أن الحياة ما زالت قادرة على أن تمنحه شيئًا من الصفاء حتى في النهاية. أخرج من جيبه مفتاحًا مكسورًا، كان يومًا يفتح به أبواب بيته القديم؛ لكنه الآن لم يعد يصلح لشيء.  نظر إليه طويلًا، ثم همس: "هكذا نحن... نفتح أبوابًا كثيرة، ثم نُكسر في النهاية، فلا يبقى لنا سوى أثر صغير يروي أننا كنّا هنا." أغمض عينيه، تاركًا عقارب الساعة تُكمل رحلتها، بينما هو بدأ رحلته الأخيرة، حيث لا نا...

"حين تناثرت حبات المسبحة"

صورة
"حين تناثرت حبات المسبحة" عندما وضعت الشمس ضفائرها المخملية المجدولة على أشجار تلك الرابية، دلف الصبية إلى بستان رمان "تأبط شرا"، كحبات مسبحة تناثرت حين انقطع. اختبأ وسام بين كومة من أوراق الشجر، متدثراً بها خشية أن يراه سراج، الذي كان يبحث عنه وعن أصدقائه المختبئين هناك، أثناء لعبتهم الشهيرة بالغميضة. لكن سراج لم يجد أصدقاءه. بل فاجأه جسدٌ عظيم البنية، التقط قميصه من خلفه ورفعه عن الأرض كأنه ريشة. كان تأبط شرا صاحب البستان، ذلك الرجل المعروف بجبروته وظلمه، وكرهه الصريح للأطفال. أقسم له سراج باكياً: "لم نسرق شيئاً، كنا نلعب فقط!" لكن اللكمات والصفعات انهالت عليه كالوابل، لم ترحم وجهه الصغير، مزق الرجل كرتهم الوحيدة بأصابعه الغليظة، وصرخ في وجوههم: "أولاد شوارع، لا تستحقون العيش!" هرب سراج مسرعاً، لكنه وقف للحظة، ووجه للرجل نظرة من كسر، ثم صرخ بأعلى صوته، وكأنه يريد أن تسمعه الأرض والسماء: "قلبك من حجر يا ظالم! لكن الحجر يتفتت، وأنت ستبقى وحدك ببستانك الخالي، ولن يلعب فيه أحدٌ أبداً! سترى، سترى كيف تكون الوحدة..." ثم انطلق ير...

"شَمْسٌ أَشْرَقَتْ"

صورة
#النعمة#_#الزوال# "شَمْسٌ أَشْرَقَتْ" عند ملتقى الأيام، وفي أرضٍ من الخيال، حيث لا وجود للمساء، ولا للغروب، ولا للشروق؛ فالشمس هناك في قبة السماء، والظلال عمودية، كأن الوقت ظهرٌ لا ينقضي، تلاقت القلوب في مدينة «أشرقت»، وتوحّد الجميع تحت لواء القائد المحبوب: كرم. كان لدى القائد كرم من الحرس والقصور ما لا يُحصى على الورق، ولا يستطيع أحدٌ أن يبلغ عدده، لكنه أبى إلا القناعة، ووضع لنفسه عادةً حتى لا تقنع عينه بالدنيا، فيهلك هو وقومه. وعلى حدود البلاد، وقف جيشه المقدام، بالسيوف والدروع، يحمي الثغور ويدرأ الشر عن البلاد. كان القائد كرم، كاسمه، كريمًا؛ يحب العطاء والبذل دون إسراف، ففتح القصور للعلم، وأنشأ الدور للأيتام والمشرّدين، وأطعم المساكين، ورفع عنهم الحاجة، وأكفاهم ذلَّ السؤال. فتنعم الشعب تحت ظله، وعاشوا في أمنٍ وسلام. لكن، ولأن الدنيا دُوَل، والنعمة فيها زائلة، مات القائد المعطاء. وحضر جنازته شعب المدينة بأكمله، فلما وُضع في اللحد، وصُبَّ فوقه التراب، وقف الجميع عند قبره، ودعوا له بالرحمة، وشهدوا له بالشهامة وحسن الخلق والاستقامة، ثم تولّوا عنه، وتركوه وحيدًا في ...

رسالة إلى نفسي

صورة
*رسالة إلى نفسي* لقد قضيتُ عمرًا كاملًا وأنا أُمكّن الصمت مني، أقفُ على أطراف أصابعي في زوايا العالم كأنني ضيفةٌ غير مرغوب بها، أو خطأ مطبعي في صفحةٍ مزدحمة. طالما تحولت حنجرتي إلى مقبرةٍ جماعية للكلمات، وصدري إلى جحيمٍ مكتوم يُطهى فيه الفكر والمشاعر دون أن يخرج منها حتى دخانُ زفير. كنتُ أرتدي انطوائي كدرعٍ خشبية، أظنها تحميني، بينما كانت في الحقيقة تأكلُ أطرافي بطبقاتٍ من الجليد. كنتُ أراقب الجميع وهم يمارسون رفاهية الحديث، بينما أبتلع أنا حكاياتي حتى تسللت إلى دمائي وصارت سمًا يئزّ في رأسي. لكن كفى! إن الموت الأصغر ليس أن يتوقف قلبك، بل أن تعيش بجسدٍ يمتلئ بالضجيج ولسانٍ محكومٍ بالإعدام. اليوم، أقفُ عند نقطة الانفجار. لن أكون بعد الآن مجرد ظلٍّ يمرّ دون أن يترك أثرًا، ولن أقبل بدوار الهامش بينما أملكُ القدرة على احتلال المركز. أعلنتُ الحرب على خجلي، وسأهدم السور الذي بنيته بيدي حجرًا حجرًا. سأتعلم كيف أخرج كلماتي كالشظايا: دقيقة، قوية، ولا تصمت حتى تصيب هدفها. سأحكي، سأصرخ، سأعبر عن أعمق تفاصيلي دون أن ترتعد شفتاي، ودون أن أنتظر إذنًا من أحد لأكون مرئية. التغيير عندي لم ي...

رسالة إلى النفس

صورة
رسالة إلى النفس السلامُ عليكِ يا نفس.  مالِ أراكِ هجرتِ الرحال، وضيعتِ الهدف.  كثُرت عثراتك، وخلا قلبك من العزم..  ألا تذكرين أسواركِ التي بنيتِها لتُحمي قلبك من الفتن؟!  الآن انغمرتِ بها، ومازلتِ تهتفين بأنكِ ستنجين!  وأين النجاة من براثنِ الدُجىٰ، وقد قُيدتِ بها؟  أما حان يا نفس التوبة، أم الخوف نُزِعَ منك؟  أما آن شق الظلام، أم قد رُهبتِ من الضياء؟  ويا أسفا على أيامٍ سكنتِ بها رحابك تتضرعين للمتعال، والآن تركتِ أقل الأعمال لعتمةٍ ليس لها محال. ک منة الله خالد  فريق صناع المعنى إيمانيات — تزكية النفس — توبة

رسالة إلى قمر ليل

صورة
رسالة إلى قمر ليل 🌙  _ يا مضوي الأرضَ من جوفِ ظلامها... _ يا صاحب رحاب الهدوء و السكينة... انظر إلى فؤاد من اشتاق رؤيتك و وهجك الخلاب، تأمل هدوءك و مظاهر جمالك.  لؤلؤة مضيئة تتوسط بساط الظلام. تَجذب انتباه الورى لرؤية تفانيك و جذابيتك.   قمر الليل... لؤلؤة الليل... وقتكَ من أعظمِ أوقات العبادة و الإيمان التأملي. قيامُ الليل _ شرف المؤمن _وقت؛ وقت الهداية و الإيمان، وقت المحبة و القرب، وقت التوبة و الغفران.  تُقبل علينا بعد عناء النهار و ثقله؛ لِتُهَدِئ أدمغتنا المُرهقة، قلوبنا المكسورة، أرواحنا المُضنَاة. أذرف دموع الضيق و الغم... أذرفُ دموعًا مكبوتة؛ دموع دامَ حبسها سنين مشقة؛ لِأبدي القوة و الصلابة أمام أعين الظلماء. حضورك تُضفي عليّ السكينة، و الحرية للبكاء و التعبير عن ما أعجزُ لإخراجه.   يظهر على سطحك حفرٍ دائمة، يوحي بكثرة العقبات و المحن.  خلف ما تحمله تبقى مشرقًا في كل فؤاد من تأمل بهاءك. في كينونتك سكونٌ غريب، ما تخفيه خلف ضيائك سرٌ محذور؛ فما حقيقة كينونتك المستورة؟ . #ملك_هاني_محمد 💫 #فريق_نخبة_الإبداع 💫 روحانيات — تأمل — إيم...

شركاء يتقاسمون الخراب

صورة
صراع نفسي — ماضٍ مؤلم — فقدان شركاء يتقاسمون الخراب في الغرفة المظلمة، حيث تتناوب أنفاس الشموع مع صمت القمر، يجلس رجلٌ مثقلٌ بركام داخلي، يضع رأسه بين كفيه كمن يفاوض ذاكرته على هدنةٍ مستحيلة؛ لكن الخراب لا يُعاش وحيدًا، حوله تتكاثر ظلالٌ شفافة، أرواحٌ من دخانٍ وندم، تتقاسم معه الحكاية، تتحدث بصوتٍ لا يسمعه أحد، كأنها شركاء في جريمةٍ لم تُرتكب بعد، أو في خسارةٍ لا تنتهي. كل وجهٍ من تلك الوجوه يمدّ خيطًا من الأسى، يربط قلبه بما مضى، يذكّره أن الخراب ليس ملكًا فرديًا، بل ميراثٌ جماعي يتوزعه العابرون في دروب الليل، وفي الخارج، يظل القمر شاهدًا صامتًا، يسكب نوره على الأطلال، كأنه يبارك هذا الاجتماع الغريب: رجلٌ حيّ، وأشباحٌ من الماضي، جميعهم شركاء يتقاسمون الخراب. # جميلة نجم # فريق صناع المعنى  # كيان زادك

إلى متى؟!

صورة
صحة نفسية — تفكير زائد — صراع داخلي إلى متى؟! لطالما كان السؤال الوحيد الذي أقلق راحتي، وجعلني أرى أبشع سيناريوهات في عمري.  شمعتي خافتة النيران، أوراقي المبعثرة في كل مكان، يداي بين كفيّ، ورأسي التي لا تهدأ، في كل ليلة كانوا يتآمرون ضدي. أُغلق غرفتي وأجلس نفس الجلسة، وحولي يدورون هم...  أفكار قاحلة كالصحراء سوداء كأعماق البحار، يتسارعون ليروا أيهم سيقوم بهجمته الأولى التي تصيبني في مقتل، وفي كل مرة لا أجد طوق نجاة ينتشلني من وسط سواد نفسي. أحاول النظر للنافذة عَلَّني أجد شيئًا يبث بي قليلًا من الطمأنينة، ولكن أعود خائبًا لأغرق وحدي، أعود لأتوه وسط أصواتهم التي تجذبني لأسفل سافلين، يأخذونني للقاع ويتركونني هناك وحدي ويهمسون لي في النهاية: إلى متى سنظل المسيطرين يا خائر القوى؟! ويضحكون باستهزاء ثم يرحلون... ـ سهام عماد. ـ فريق صُناع المعنى  ـ مبادرة زادك.

محكمة الليل

صورة
صراع نفسي — جلد ذات — تعافي. صراع نفسي — جلد ذات — تعافي. "محكمة الليل" يخيم السكون على غرفتي المظلمة، إلا من همساتٍ خفية. كل ليلةٍ، أقف على شفا الانهيار، أتخذ مكاني في ركني المعتاد، يدي تعجز عن كفكفة دموعٍ لا تُرى، وذهني يستسلم للظلام. لم يعد الأمر مجرد حزنٍ، بل صار محكمةً عسكريةً بلا قضاةٍ ولا محامين. تلوحُ لي في عتمة الغرفة خيالاتٌ باهتة، ليستْ أشباحًا، بل هي أطياف نفسي المجزأة، وصدى أصواتٍ لا تخفت. ها قد بدأت الجلسة من جديد، ويتقدم العقل كعادته، بملامحه القاسيةِ الحاسمة، ليعقد محاكمةً لا رحمة فيها. ينطقُ العقل، بصوتٍ جافٍ وحاد: "أما زلتَ هنا؟ ألم نغلق هذا الملف؟ لقد مضى الوقت، ولم يعد للبكاء مكانٌ. كلُّ هذه الخيارات كانت واضحة، فلماذا تصرّ على إعادةِ عقارب الساعة؟ عليك بالاستمرار، فالحياة لا تنتظر الواقفين." في المقابل، ينتفض القلب، بصوتٍ واهنٍ يملؤه الألم والحزن: "ولكنها لم تكن مجرد خياراتٍ! لقد كانت آمالي، وكانت حياتي! كيف تنتزع مني ما عشت لأجله؟ الجراح ما زالتْ غائرةً، وإنْ تجاهلتها، فهي تدمي في الأعماق. أنا بحاجةٍ إلى وقتٍ كافٍ لكي اتعافى، و...

"طفلةٌ هدمت قانون الجاذبية"

صورة
"طفلةٌ هدمت قانون الجاذبية" عند أطراف قريةٍ صغيرة تتكئ على هامش الخريطة، وتنام تحت أوسع سماء، كانت "نور" طفلةً تختلف عن أترابها. لم تكن تبحث عن ألعابها في التراب، بل كانت تنظر إليه وكأنه غبار نجومٍ سقط سهوًا من عباءة الليل. تسكن مع جدها العجوز في منزله بعد وفاة أهلها، وفي غرفتها النائية تحتفظ بصندوقٍ خشبي قديم تُسميه "خزانة المجرات". لم يكن فيه سوى عدسةٍ مكبرةٍ مكسورة، وكتب فيزياء قديمة أوراقها بلون أوراق الخريف، ورسمةٍ كُتب تحتها بخط طفولي: "أنا رائدة الفضاء المستقبلية". في كل ليلة، تتسلق جدار السطح المتهالك، وترفع عدستها نحو السماء. لم تكن النجوم في عينيها مجرد نقاطٍ لامعة، بل ثقوبًا في ثوب الليل الأسود يطل منها النور الكوني. لكن الحلم لم يكن بلا أعداء؛ إذ كان أطفال القرية يرمونها بالكلمات كأنها حصى: من غرق في التراب، لا يطرق أبواب السحاب. وكان معلمها يبتسم بإشفاق كلما رأى كراساتها المليئة برسم المقذوفات ومدارات الكواكب بدلًا من حل الواجبات، ويقول لها دائمًا الحلم جميل يا ابنتي، لكن الأرض هي القيد الوحيد الذي لا يمكن فكّه. وفي ليلةٍ...

"مَلك موت الأعماق"

صورة
"مَلَكُ موت الأعماق" قد تظن بأن العالم أمامك مرعب، ولكنك لم تصل للأعماق بعد! كل ما على سطح الأرض يدعو للحذر، وهناك في أعماق البحار المظلمة ما يدعو لتمني الموت قبل رؤيته. كنت أتجهز لرحلتي لإكتشاف ترددات غريبة ظهرت على جهازنا أثناء مراقبتنا لبحر سڤان، لم تكن رحلتي الأولى لذا لم أكن خائفة، تجهزت بحماس ودخلت غواصتي وبدأت بالغوص، والولوج في أعماق المياه، وشيئًا فشيئًا تلاشت الأضواء، أنرتُ مصابيح الغواصة وغُصت بها أكثر وأكثر، وفجأة شعرتُ باهتزازة قوية. اهتزت الغواصة بي وانقلبت رأسًا على عقب، ضغطت جميع الأزرار ولم ينفع شيء، تركتُ مكان، وارتديت بذلة الغطس خاصتي، وخرجت تاركة ملاذي الوحيد في هذه الأعماق، كانت الرغبة الكامنة بداخلي لأكون أول من يكتشف شيئًا غريبًا مسيطرة عليّ بالكامل، ولم يجل ببالي بأني قد أكون أذهب بنفسي لنهايتي! ثبتُ كاميرتي في البذلة وخرجت، لم تهدأ الهزات بل ازدادت كلما تعمقت أكثر، انقطعت الأضواء، وخَفُتَ نفسي، ساد الظلام حولي حتى لم أعلم إن كنت أتحرك في الأصل أم لا، ولربما مرت ساعات وأنا ساكنة في مكاني! كاد الأكسجين ينفذ من الأسطوانة، حاولتُ السباحة للأعل...

"رسالة من ملك الطيور"

صورة
"رسالة من ملك الطيور" #رحلة_ الشفاء#_#نعمة_ العافية# كانت غادة فتاةً صغيرةً في الخامسة من عمرها، تعشق رسم الطيور. اعتادت أن تذهب كل صباح إلى التل المجاور لمنزلها، تحمل ألوانها ودفتر رسمها، وتجالس أمها في هدوء حتى يحط أحد الطيور بقربهما، فيتسنى لهما رسمه. وكانت أمها تشاركها هذا الشغف، إذ كانت تحب رسم الطبيعة وطيورها مثل ابنتها. وفي يوم من الأيام، مرضت غادة، لكنها أبت أن تتناول الدواء، وكانت تقول دائمًا:  طعمه مُر، ولا أستطيع شربه. حاولت أمها بشتى الطرق إقناعها، ولكن دون جدوى. اشتد المرض على غادة، فلزمت فراشها، ولم تعد تخرج لرؤية الطيور كما اعتادت. وفي إحدى الليالي، وبينما كانت تسعل بشدة، اقترب من نافذتها طائر خلاب، لم ترَ في حياتها طائرًا بجماله. كانت ألوانه زاهية، وعلى رأسه تاج أصفر يلمع كأنه مصنوع من الذهب. نهضت غادة من فراشها، وفتحت النافذة، ثم تراجعت خطوات إلى الوراء. تردد الطائر قليلًا، لكن ابتسامتها الرقيقة شجعته على الدخول. ما إن دخل حتى قال: - السلام عليكم. شهقت غادة دهشة، وقالت: - مهلًا! كيف تتكلم؟! أأنت طائر ناطق؟ ابتسم الطائر وقال: - نعم، وقد جئت أحمل إل...

صخـب الداخل

صورة
صخب الداخل  " صخب الداخل "  ليس كل ضجيجٍ يأتي من الخارج؛ فهناك أصواتٌ تسكن أعماقنا، لا يسمعها أحدٌ سوانا. تتجادل في صمتٍ مرهق، وتستنزف القلب أكثر مما تفعل آلاف الكلمات المنطوقة. أجلس وحدي، لكنني لست وحدي. تحاصرني نسخٌ من نفسي؛ واحدةٌ تلومني على ما مضى، وأخرى تخيفني مما هو آتٍ، وثالثةٌ تُذكّرني بكل مرةٍ خذلتُ فيها أحلامي. أما أنا، فأحاول أن أجد بين هذا الضجيج صوتًا واحدًا يشبهني. أنظر إلى الشمعة الصغيرة، فأدرك أن النور لا يحتاج إلى صخبٍ كي يُرى، بل يكفيه أن يصمد أمام العتمة. وأرفع رأسي نحو النافذة، حيث يقف القمر شاهدًا على أن الليل، مهما طال، لا يملك أن يمنع الفجر من القدوم. حينها همست لنفسي: اهدئي... فما أثقل الروح ليس كثرة الأصوات، بل تصديقها جميعًا. ومنذ تلك اللحظة، قررت أن أصغي إلى صوت اليقين، وأترك ما عداه يذوب في صمت الليل، كما يذوب الدخان حين تعانقه نسمةُ فجرٍ صادقة. الكاتبـة: روان أحمد 

ضجيج العزلة

صورة
ضجيج العزلة " ضجيج العزلة "  ​ في هدوء الليل الساكن، وجلسةٍ يُثقلها الصمتُ والوجوم، يجلسُ وحيدًا على أطراف سريره، يضع يده على رأسه في محاولةٍ لإسكات صرخةٍ خفية لا يسمعها سواه. ​خلفه، بين دخان السجائر المتصاعد وضوء الشمعة الخافت، تتصاعد أطيافُ الماضي؛ أرواحٌ وأصواتٌ يتجادلون، يتعاتبون، ويصرخون في عتمة الغرفة. لم تكن الغرفة فارغة كما تبدو، بل كانت ممتلئة بضجيج الذكريات وأصوات الراحلين الذين لا يزال صدى كلماتهم يتردد في أعماقه. ​وعلى الرغم من الضوء المنبعث من الباب المفتوح على النهر والشمس الغاربة، ينكفئ هو على ظلمته الخاصة، عاجزًا عن الهروب من سجناء ذاكرته، ليبحث عن لحظة سلامٍ واحدة تطفئ هذا الضجيج الدائم. رؤى جمعة

ضجيج الصمت

صورة
ضجيج الصمت " ضجيج الصمت " تتزاحم في عتمة الليل أطياف العتب، وتتصاعد من أروقة الذاكرة أصوات غائبة لا يسمعها سوانا. تضيق الغرفة بملامحهم، وتغصّ الروح بكلمات مضت، بينما نقف نحن في منتصف الحكاية عاجزين عن الالتفات إلى الوراء، وخائفين من المضيّ قدمًا. كلما حاولنا إطفاء الحنين، اشتعلت الأسئلة في عقولنا: هل كان دمنا هو الثمن؟ أم أننا أفرطنا في البقاء بمكان لم يعد لنا؟ ينتهي العِتاب دائمًا بنقطة أول السطر، وتبدأ الحيرة بسؤال بلا إجابة، ليظل ذلك الوجع المقيم يهمس في قلوبنا، مذكرًا إيانا بأن أقسى أنواع المغادرة هي تلك التي تحدث في صمت تام. الاسم: إسراء عبد الرازق

عنوان القصة: حارس البذور الأخيرة

صورة
أمان ـصحة نفسية -علاقات  عنوان القصة: حارس البذور الأخيرة في ليلةٍ هادئة، حين نامت المدينة وغفت الأضواء، استيقظت شجرةٌ عجوز في آخر الوادي، وأرسلت ورقةً ذهبية تحمل اسم طفلٍ يُدعى آدم. استيقظ آدم على صوتٍ خافت يناديه: "لقد حان الوقت... العالم يحتاج إليك." خرج متتبعًا الورقة حتى وصل إلى بابٍ حجري لم يكن موجودًا من قبل. وما إن لمسه حتى انفتح على غابةٍ لم يرَ مثلها قط؛ أشجارها تتحدث، والأنهار تعزف ألحانًا، والنجوم تتدلّى كالفوانيس. استقبله شيخٌ يرتدي عباءةً من أوراق الشجر وقال: "مرحبًا بك في مملكة الجذور. نحن نحرس بذور الخير التي يعيش بها عالم البشر. لكن وحشًا يُدعى النسيان بدأ يسرقها، حتى أصبح الناس ينسون الرحمة، ويهملون الصدق، ويظنون أن القوة في الأنانية." ناول الشيخ آدم ثلاث بذور صغيرة، وقال: "لن تهزم الوحش بالسيف، بل بزرع هذه البذور." تعجب آدم، لكنه أطاع. زرع الأولى، فنبتت شجرةٌ من الرحمة، فهدأ غضب الحيوانات. وزرع الثانية، فأزهرت شجرة الصدق، فانكشفت أوهام الوحش وضعفت قوته. أما الثالثة، فكانت بذرة الأمل. وما إن لامست الأرض حتى غمر نورها المملكة ك...

عنوان القصة: إرث عائلي

صورة
عنوان القصة: إرث عائلي    في أواخر القرن التاسع عشر، وحينما كانت الحافلات الخشبية المتهالكة تجرها الجياد عبر أزقة القاهرة العتيقة، كان "حي السكرية" يتنفس برائحة البخور والبن المحمص. هناك، في بيت قديم ذي مشربيات خشبية متآكلة تشهد على مرور العقود، عاش الشيخ عبد الجواد، رجل تسعينياً أثقلت السنون كاهله لكنها لم تنل من هيبته، يسير بعكازه الأبنوسي وكأنه يقيس به ثبات الأرض تحت قدميه. تسللت أشعة الشمس الدافئة من بين فتحات المشربية، لتنسج خيوطاً ذهبية على وجه سلمى، حفيدته ذات الستة عشر ربيعاً. كانت سلمى تسكن ذلك البيت برفقة جدها بعدما غيّب الموت والديها، وتمتلك عينين واسعتين كسر أسرار النيل، وشغفاً غير محدود بقراءة الكتب القديمة التي تتكدس في خزانة الجد العتيقة. "يا بنيتي، التاريخ ليس حروفاً تُكتب في الكتب، بل هو أنفاسُ من مضوا، تبقى عالقة في أحجار هذه الجدران،" قال الجد بصوت يتهدج كأنغام ناي قديم، بينما كان يصلح ساعة جيب ذهبية لا تعمل منذ عقود. ردت سلمى وهي تقلب صفحات كتاب عتيق يفوح منه عبق الورق الأصفاد: "ولكن يا جدي، هذه الساعة متوقفة، فكيف تشعر بالوقت وه...