"حين تناثرت حبات المسبحة"

"حين تناثرت حبات المسبحة"

عندما وضعت الشمس ضفائرها المخملية المجدولة على أشجار تلك الرابية، دلف الصبية إلى بستان رمان "تأبط شرا"، كحبات مسبحة تناثرت حين انقطع.
اختبأ وسام بين كومة من أوراق الشجر، متدثراً بها خشية أن يراه سراج، الذي كان يبحث عنه وعن أصدقائه المختبئين هناك، أثناء لعبتهم الشهيرة بالغميضة.

لكن سراج لم يجد أصدقاءه.
بل فاجأه جسدٌ عظيم البنية، التقط قميصه من خلفه ورفعه عن الأرض كأنه ريشة.
كان تأبط شرا صاحب البستان، ذلك الرجل المعروف بجبروته وظلمه، وكرهه الصريح للأطفال.

أقسم له سراج باكياً: "لم نسرق شيئاً، كنا نلعب فقط!"
لكن اللكمات والصفعات انهالت عليه كالوابل، لم ترحم وجهه الصغير، مزق الرجل كرتهم الوحيدة بأصابعه الغليظة، وصرخ في وجوههم: "أولاد شوارع، لا تستحقون العيش!"

هرب سراج مسرعاً، لكنه وقف للحظة، ووجه للرجل نظرة من كسر، ثم صرخ بأعلى صوته، وكأنه يريد أن تسمعه الأرض والسماء:
"قلبك من حجر يا ظالم! لكن الحجر يتفتت، وأنت ستبقى وحدك ببستانك الخالي، ولن يلعب فيه أحدٌ أبداً! سترى، سترى كيف تكون الوحدة..."
ثم انطلق يركض، والدماء تنزف من شفته الممزقة.

ركض الأولاد خلفه بذعر، فلحقهم الرجل وضربهم على ظهورهم وهم يفرون، وظل يصرخ فيهم حتى ابتلعهم الزقاق البعيد.
لم يرَ الرجل الأطفال بعد ذلك اليوم، لكن كلمات سراج ظلت تتردد في مسامعه كجرسٍ لا يسكت: "قلبك من حجر..." و "ستبقى وحدك...".

مرت شهور.
الرجل لم ينسَ، لكنه تظاهر بالنسيان. كان لا يزال يعيش في بستانه، وحيداً، يكره ضحكات الأطفال من بعيد، لا يسمح لهم بالدخول إلى بستانه.

وفي يومٍ بينما كان خارج البستان يسير في الطريق، رأى فجأةً طفل يقترب.
كان ذلك سراج، فإنه ما إن التفت ورأى وجه الرجل، حتى تذكر كل شيء: اللكمات، الصفعات، الكرة الممزقة، والكراهية التي لا تُنسى.
خاف سراج، وركض مسرعا، لم ينظر يميناً ولا يساراً، قفز إلى الطريق فجأةً...

دوّي عالٍ، صراخ، ثم سكون.

صدمته سيارة مسرعة، طار جسده في الهواء وسقط على الرصيف، والدماء بدأت تتسرب من تحت رأسه.
اندفع الرجل نحوه، حمله بين ذراعيه، وراح يهزّه باكياً: "يا ولدي، افتح عينيك!"

كان سراج يلفظ أنفاسه الأخيرة، ونظره يضيع في السماء، لكنه استطاع أن يهمس بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع:
"لم ألعب مع رفاقي من ذلك اليوم بسببك... يا عمي... الحجارة تتفتت...لكن هل ستقطر الرحمة قلبك وترأف بالصغار الأبرياء... لو ...حاسبتنا بغير ذنب منّا،...بسبب ظلمك"
ارتجف الرجل كأنه تلقى صاعقة، وانهار باكياً على صدر الطفل الذي كان يلفظ روحه بين يديه.

ومات سراج بين ذراعي الرجل الذي ظلمه.

منذ تلك اللحظة، لم يعد الرجل كما كان.
لم يغب عن ناظريه وجه سراج، ولا كلماته الأخيرة التي كسرت صدره. كان يستيقظ كل صباح على كابوسٍ يطارده، يرى فيه سراجاً يركض، وسيارةً تقترب، ثم صوته يهمس: "لو كنت رحمتنا..."

تحول الرجل تحولاً جذرياً، وكأن قلباً من حجر قد تشقق أخيراً لتنبت منه رحمةٌ متأخرة.
بعد أيام جعل بستانه ملعباً مفتوحاً للأطفال، زرع فيه الأرجوحات والزلاقات، وكتب على بابه: "بستان الرمان.. لكل الأطفال."
وأصبح كل صباح يقف عند باب مدرسة سراج  القريب، يوزع الحلوى على الصغار، ويبتسم لهم، وكأنه يحاول أن يعوض سراجاً في كل طفلٍ يراه.

لكنه كان يعرف في قرارة نفسه أن الرحمة قد دخلت قلبه متأخرة جداً.#ندمٌ أبدي#_#رحمةٌ مفقودة#
أنها كالمطر الذي يسقي أرضاً يبست، لكنه لا يعيد زهرةً ذبلت.
كان يتمنى لو أن سراجاً حياً اليوم، ليأتي إلى بستانه، فيلعب فيه دون خوف، دون أن يختبئ تحت الأوراق.
كان يتمنى لو يستطيع أن يقول له: "البستان لك يا صغيري، العب كما تشاء، فلن أضربك أبداً."
لكن سراج كان قد رحل، وبقي الرجل وحيداً مع بستانه المكتظ بالأطفال، ووجه سراج الذي لا يفارق عينيه، وهمساته التي تتردد في أذنيه كل ليلة: "لو كنت رحمتنا..."
الكاتبة: أم ريتال
#قصة_قصيرة#

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تبًا

" الضوء الذي لا يُخطئ موعده "

العنوان: بداخلي ـ روح ـ مبعثرة