"طفلةٌ هدمت قانون الجاذبية"
"طفلةٌ هدمت قانون الجاذبية"
عند أطراف قريةٍ صغيرة تتكئ على هامش الخريطة، وتنام تحت أوسع سماء، كانت "نور" طفلةً تختلف عن أترابها. لم تكن تبحث عن ألعابها في التراب، بل كانت تنظر إليه وكأنه غبار نجومٍ سقط سهوًا من عباءة الليل.
تسكن مع جدها العجوز في منزله بعد وفاة أهلها، وفي غرفتها النائية تحتفظ بصندوقٍ خشبي قديم تُسميه "خزانة المجرات". لم يكن فيه سوى عدسةٍ مكبرةٍ مكسورة، وكتب فيزياء قديمة أوراقها بلون أوراق الخريف، ورسمةٍ كُتب تحتها بخط طفولي: "أنا رائدة الفضاء المستقبلية".
في كل ليلة، تتسلق جدار السطح المتهالك، وترفع عدستها نحو السماء. لم تكن النجوم في عينيها مجرد نقاطٍ لامعة، بل ثقوبًا في ثوب الليل الأسود يطل منها النور الكوني. لكن الحلم لم يكن بلا أعداء؛ إذ كان أطفال القرية يرمونها بالكلمات كأنها حصى:
من غرق في التراب، لا يطرق أبواب السحاب.
وكان معلمها يبتسم بإشفاق كلما رأى كراساتها المليئة برسم المقذوفات ومدارات الكواكب بدلًا من حل الواجبات، ويقول لها دائمًا الحلم جميل يا ابنتي، لكن الأرض هي القيد الوحيد الذي لا يمكن فكّه.
وفي ليلةٍ صيفية شديدة الظلمة، انكسرت العدسة المكبرة بين يديها إثر سقوطها، فانسكب الدمع في عينيها كأنه قطرات زئبق. وفجأة، لمحت في زاوية السطح ضوءًا طفيفًا ينساب كخيطٍ ذهبي غُزل من أشعة الشمس المفقودة.
تجسّد أمامها كائن خيالي شفاف، تشبه ملامحه ضوء القمر فوق الماء، يُدعى "شهاب". قال لها بصوتٍ يشبه هسيس الريح بين أوراق الشجر: إن الجاذبية ليست قوةً تجذب الأجسام للأسفل، بل هي خوف النفوس من التحليق أنتِ تملكين مفتاح الخروج من قفص الأرض، ولكنه ليس في السماء، بل تحت جلدكِ.
سألته وهي تمسح دمعتها: ما هو هذا المفتاح؟
أجابها بابتسامةٍ غامضة:
العلمُ والمكابدة. الخيال يجلب لكِ الخريطة، لكن المعرفة هي المركبة. إن لم تصنعي أجنحتكِ من المعادلة والجهد والاجتهاد، فستظلين حالمةً تسقط مع أول هبة ريح.
اختفى شهاب، لكن يقينًا من الحقيقة استقر في قلبها. لم تعد القصة مجرد "أمنية"، بل أصبحت حربًا مقدسة ضد المستحيل.
مرت السنوات، وتجسدت العُقدة في مرحلتي الثانوية والجامعة؛ حيث لم يكن الطريق مفروشًا بالورد، بل بأشواك الرياضيات المعقدة وسهر الليالي القاتل. فقدت جدها الذي كان ملاذها وسندها الأول، وأكثر شخص يشجعها ويدعمها، وواجهت ظروفًا مادية طاحنة كادت تقتلع مقعدها الجامعي في قسم علوم الفضاء، وتعرّضت لإخفاقات متتالية في اختبارات محاكاة الطيران والفيزياء الفلكية.
في إحدى الليالي، جثت على ركبتيها أمام نافذتها المظلمة. كانت الجاذبية في تلك اللحظة جبلًا يجثم على صدرها. تذكرت حينها كلماته: الخوف هو الجاذبية الحقيقية. فقامت، ومسحت دموعها التي تهطل بكثافة، وأمسكت قلمها مجددًا، وعيناها تقدحان بشغفٍ أشد من نار الوقود الصاروخي.
وبعد سنواتٍ من العرق والسهر والتنافس الضاري، وقفت نور داخل قاعدة الإطلاق العالمية ارتدت البدلة البيضاء ثقيلة الوزن، لكن قلبها كان خفيفًا كطائر أُطلق نحو السماء.
استلقت داخل المركبة الفضائية، وأصوات العد التنازلي تتردد في خوذتها كدقات قلبٍ عملاق:
خمسة، أربعة، ثلاثة، اثنان، واحد.
انفجر الوقود، واهتزت الأرض تحت المركبة كأنها تمساحٌ يزأر. أحست بأضلعها تنضغط تحت وطأة قوة الجاذبية، وكأن الأرض تمسك بها لتمنعها من الرحيل وفجأة، في لحظة فارقة، تلاشى الاهتزاز وانعدم الوزن
نظرت نور من النافذة الدائرية الصغيرة. لم تكن ترى القرية، بل كانت ترى كوكب الأرض كاملًا: كرةً زرقاء ساحرة، معلقةً في فراغٍ لا نهائي مثل جوهرة ياقوت في كفّ الغيب.
تذكرت أطفال قريتها، والعدسة المكسورة، وجدها الراحل، ووصايا شهاب، فابتسمت وهمست للكون:
إن الأحلام ليست خرافاتٍ نراها وقت النوم، بل هي بذورٌ أسطورية نغرسها في طين واقعنا، ونرعيها بماء العلم والعرق، حتى تنبثق يومًا عن أجنحةٍ تطير بنا فوق السحاب.
الكاتبة : نرمين عبدالغفار
#قصة_قصيرة#مُكابدة_نور#_#إصرار_سماوي#
تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقا لنكمل مسيرتنا وندعم المزيد.