"شَمْسٌ أَشْرَقَتْ"
#النعمة#_#الزوال#
"شَمْسٌ أَشْرَقَتْ"
عند ملتقى الأيام، وفي أرضٍ من الخيال، حيث لا وجود للمساء، ولا للغروب، ولا للشروق؛ فالشمس هناك في قبة السماء، والظلال عمودية، كأن الوقت ظهرٌ لا ينقضي، تلاقت القلوب في مدينة «أشرقت»، وتوحّد الجميع تحت لواء القائد المحبوب: كرم.
كان لدى القائد كرم من الحرس والقصور ما لا يُحصى على الورق، ولا يستطيع أحدٌ أن يبلغ عدده، لكنه أبى إلا القناعة، ووضع لنفسه عادةً حتى لا تقنع عينه بالدنيا، فيهلك هو وقومه.
وعلى حدود البلاد، وقف جيشه المقدام، بالسيوف والدروع، يحمي الثغور ويدرأ الشر عن البلاد.
كان القائد كرم، كاسمه، كريمًا؛ يحب العطاء والبذل دون إسراف، ففتح القصور للعلم، وأنشأ الدور للأيتام والمشرّدين، وأطعم المساكين، ورفع عنهم الحاجة، وأكفاهم ذلَّ السؤال. فتنعم الشعب تحت ظله، وعاشوا في أمنٍ وسلام.
لكن، ولأن الدنيا دُوَل، والنعمة فيها زائلة، مات القائد المعطاء.
وحضر جنازته شعب المدينة بأكمله، فلما وُضع في اللحد، وصُبَّ فوقه التراب، وقف الجميع عند قبره، ودعوا له بالرحمة، وشهدوا له بالشهامة وحسن الخلق والاستقامة، ثم تولّوا عنه، وتركوه وحيدًا في قبره.
فلما جفّت الدموع، وودّع الحزن القلوب، أخذوا يفكرون في القادم، ومن يكون عليهم قائدًا.
اجتمع القوم، فنهض العميد مقداد، وفرض قوته عليهم، وقال:
— أنا لها! فقد عرفتم قوتي، وما أستطيع فعله بكل من يعارض كلمتي. فهل أنتم موافقون على اتخاذي حاكمًا؟
ساد الصمت المكان.
فأعاد مقداد السؤال، ولكن بصيغة أخرى:
— من منكم يعارض اعتلائي عرشكم؟
ظلّ الجميع صامتين.
فابتسم مقداد وقال:
— إنكم موافقون إذن. فلنقم ونحتفي ونشرب وننتشي؛ فقد زال عهد التقشّف، وأتى وقت المرح والأغاني!
وما هي إلا أيام حتى عمّ الفساد البلاد؛ فعاد المشرّدون إلى الطرقات، وطرق الفقراء الأبواب، وأسرف الأغنياء في إشباع شهواتهم، حتى صاروا لما تشتهي أنفسهم عبيدًا.
ولما علم الأعداء بحال البلاد، وما آلت إليه أوضاع أهلها، طمعوا في أرضهم، ورأوا في ضعفهم فرصةً لا تُفوّت.
وفي غضون ساعة، أُبيد شعب **«أشرقت»**، وتوارت شمسها خلف الغبار، وسقطت رايتها التي طالما رفرفت في السماء.
وبينما كانت آخر أصوات الحياة تخفت في أزقتها، قال الأتقياء قولًا ما يزال يُضرَب به المثل:
_ الجزاء من جنس العمل.
الكاتبة:ولاء محمد
#قصة_قصيرة#
تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقا لنكمل مسيرتنا وندعم المزيد.