الصندوق الأسود



في إحدى ليالي يومٍ مأساوي، في الساعة الرابعة فجرًا،  
تجلس ليال عند نافذة الغرفة يَعْتَرِيهَا لَوْعُ الفِرَاقِ على جدتها التي ودعتها بالأمس.  
تَستَرجِعُ أَيامَهما مَعًا، وتتذكر قَهقَهَاتِهِمَا، حتى انهمرت دموعها سخونًا عَلَى وجنَتيها.  
وظلت على هذه الحال ساعتين.ثم رفعت بصرها إلى السرير وباقي الغرفة تتأمل مَوْطِنَ خُطَى جدَّتهَا. وأثناء مرور عينيها على أحد الأشياء بجوار الدولاب، وقع بصرُهَا على وَمِيضٍ خَافِت. فهرَعَت إِليه بقلب يَخفِق فُضُولًا، فإذا به صندوق أسود مُزَخرَف بالذهب من الحروف.فحينها تذكرت وصية جدتها قبل عام: إن بداخل الصندوق ميراثًا للزوجة الثانية لجدك. ولا أستطيع الذهاب إليها لعجزها عن الحركة وبُعد المسافة، فهي في محافظة أخرى.  
أوصيكِ يا ليال، إن متُّ قبل أن أُؤدي إليها حقها فأدِّيهِ أنتِ يا ابنتي. فإن جدك طلقها لعدم إنجابها، وجحدها نصيبها. وهذا شرع الله، ولا بد أن يصلها، وهذا في رقبتي الآن.فَبَكت لَيَال بعد تَذَكُّرِهَا حَدِيثَ جدَّتِهَا، ثم مسحت دموعها وعقدت العزم في داخلها أن تذهب صباح اليوم لتنفيذ وصية جدتها. فتوضأت وصلت حتى الشروق، ثم شرعت في رحلتها الطويلة. وانتظرت في محطة القطار، وبعد دقائق معدودة أقلع بها القطار.ومر القطار بسهولٍ خضراء. فظلت تُحدِّق في السماء والشجر والأرض الزراعية بإعجابٍ و دَهْشَةٍ شَدِيدَةٍ، وتُسبِّح ربها على بديع صنعه، حتى انقضت ثلاث ساعات وبعد عَنَاءٍ وَمَشَقَّةٍ وصلت إلى مقصدها.فرأت شيخًا جالسًا على جانب الطريق يَنْخَرُ الحُزْنُ فِي قَلْبِهِ. فاقتربت منه تسأله عن منزل الجدة. وكلما اقتربت بدت ملامح الوجع عليه أوضح.  
فسألته عن حاله، فانهارت دموعه وقال: لست بخير يا ابنتي. زوجتي عليلة، وليس لها في الدنيا سواي، ولا أملك لها شيئًا.قال: أصابها داءٌ شديد، وأمر الطبيب بعملية جراحية تكلف أكثر من مئة ألف جنيه،وليس لي إلا قوت يومي. وأدعو ليل نهار أن يجعل الله للمستحيل سبيلًا.
فدعت له ليال وقالت: اللهم اشفها وعافها يا رب. ثم سألته: أين منزل الجدة سانيا أحمد، طليقة المرحوم إسماعيل؟
فنظر إليها بدهشة وقال: من أنتِ؟ إنها زوجتي. فسكتت ليال وغمرتها الدَّهْشَةُ، ثم همست: لا إله إلا أنت سبحانك. جدتي أوصتني قبل رحيلها أن أُبلغ هذا الصندوق للجدة سانيا. فاصطحبها الجد إلى الدار، فرأت الجدة سانيا طريحةالفراش وقد أنهكها التعب.سلمت عليها وقصت عليها أمر الصندوق. ففاضت عيناها الدمع فرحًا بحكمة الله، هي وزوجها.وجلسا يحمدان الله كثيرًا،متعجبين من استجابة الدعاء وتفريج الكرب. فَغَمَرَتِ البهجَة قَلْبَيِ الشَّيخَينِ،وَأَضَاءَ الأَمَلُ مَحيَّاهُمَا الذابِلَ.وعادت ليال إلى بيتها بعد يومٍ طويل.ودخلت غرفة جدتها فرأت قدح القهوة الذي تركته بالأمس واشتمت شَذَاهُ العَتيق. ثم نظرت إلى المظلة التي أهدتها إياها الجدة سانيا  
والتي قالت لها: أنها كانت ملكًا لجدك، أول هدية أهداني إياها، ومحفورًا عليها اسمه بأسلوبٍ تراثي.
فتأملتها قليلًا، وتذكرت حال الشيخ وحزنه ثم فرحه.  
وكل ذلك بتدبير الله عز وجل. أجلّ الله رزقها حتى أتى أوانه. يا له من جمال الله وعلمه بالغيب وحكمته. حقًا:"وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم". سبحان المدبر. والله ما أخّر الله أمرًا إلا لحكمةٍ هي الخير لنا.
الحمد لله على نعمة القرآن.  
الحمد لله على نعمة الإسلام.  
الحمد لله على نعمة الدين والإيمان.  
الحمد لله رب العالمين.

#بقلم_الكاتبة_شاهيناز_محمد_زهرة_الليل
#فريق_صناع_المعنى
#قصة_قصيرة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تبًا

" الضوء الذي لا يُخطئ موعده "

العنوان: بداخلي ـ روح ـ مبعثرة