Header Ads Widget

" الضوء الذي لا يُخطئ موعده "

سرُّ الضوءِ الخفيّ
" الضوء الذي لا يُخطئ موعده " 

ثمة أشياء لا تستوقفنا لأنها غريبة، بل لأنها تتكرر أكثر مما ينبغي. يتسلل الاعتياد إليها حتى نظن أنها جزء من نظام الحياة، بينما هي في الحقيقة سؤالٌ يؤجل نفسه كل يوم، منتظرًا لحظةً نجرؤ فيها على البحث عن إجابته.
حين انتقلتُ إلى تلك الشقة، لم يكن يشغلني سوى أن أعتاد المكان. كانت الغرفة المطلة على الشارع أكثر ما أحببت فيها؛ نافذة واسعة، وصمتٌ يليق بالأمسيات الطويلة. وفي الجهة المقابلة، كانت تقف عمارة قديمة، تتشابه نوافذها حتى يصعب تمييز إحداها عن الأخرى.
إلا نافذة واحدة.
كل ليلة، وقبل أن تشير الساعة إلى التاسعة بقليل، كان ضوءٌ أصفر خافت يتسلل من خلف زجاجها. لم يكن ساطعًا، ولم يكن واهيًا، بل أقرب إلى أثرٍ يعلن وجوده ثم يكتفي بالصمت.
حاولت غير مرة أن أرى من يسكن هناك. بقيتُ أراقب النافذة دقائق طويلة، أترقب حركة ستارة، أو ظلَّ عابر، أو حتى يدًا تفتح الزجاج قليلًا. لكن لم يحدث شيء. كان الضوء وحده يؤدي طقسه اليومي، ثم ينطفئ قبيل الفجر، كأن الليل استعار حضوره لساعاتٍ معدودة ثم أعاده إلى مكانٍ لا أعرفه.
مرَّت الأيام، ثم الأسابيع، وصرت أجد نفسي أنظر إلى تلك النافذة من غير قصد. حتى إنني في بعض الليالي كنت أسبق الضوء انتظارًا له، فإذا ظهر، شعرت براحةٍ غريبة، وكأن شيئًا في داخلي كان يطمئن لمجرد أنه لم يتأخر.
إلى أن جاءت ليلةٌ لم يأتِ فيها.
بدت النافذة معتمة على غير عادتها، وبدا الشارع أوسع مما كان، كأن ذلك الضوء كان يملأ فراغًا لم أكن أراه.
لم أنم تلك الليلة.
وفي الصباح، عبرتُ الشارع متذرعةً بأي سبب، حتى انتهى بي الأمر أمام مدخل العمارة.
سألت الحارس عن الشقة، فرفع رأسه نحوي، وحدق في وجهي لحظات، ثم قال بصوتٍ خفيض:
"منذ متى وأنتِ ترين الضوء؟"
أربكني سؤاله أكثر من إجابته، فأخبرته بما يحدث كل ليلة.
تنهد طويلًا، ثم أشار إلى الطابق الذي أعرفه جيدًا.
"هذه الشقة مغلقة منذ سبع سنوات. ماتت صاحبتها، ولم يعد إليها أحد."
ضحكتُ بتردد، ظننت أنه يمزح، لكنه أخرج مفتاحًا قديمًا من درجٍ صغير بجواره. كان الصدأ قد استولى على معظمه، حتى بدا كأنه نسي أن يكون مفتاحًا.
قال وهو يعيده إلى مكانه:
"لم يُستخدم منذ ذلك اليوم."
عدتُ إلى منزلي وأنا أحاول إقناع نفسي بأن ما رأيته طوال الأشهر الماضية لا بد أن له تفسيرًا آخر. ربما أخطأت النافذة، أو خانتني الذاكرة، أو أن الضوء كان ينعكس من مكانٍ لا أنتبه إليه.
وحين أقبل الليل، لم أقترب من النافذة.
أردت أن أترك الأمر ينتهي وحده.
لكن شيئًا ما دفعني إلى رفع بصري أخيرًا.
كانت الشقة غارقة في العتمة.
ابتسمتُ للمرة الأولى منذ أيام، ثم وقع بصري على زجاج نافذتي.
هناك، في الانعكاس، كان الضوء مشتعلًا من جديد...
غير أنه لم يكن صادرًا من العمارة المقابلة.
كان يأتي من داخل غرفتي.
وحين استدرتُ ببطء، لم أجد خلفي سوى العتمة.
أما في الزجاج...
فكان ثمة شخصٌ ما لا يزال واقفًا عند النافذة.
# الكاتبة_ بسنت_ الكومي
# الضوء_الذي_لا_ يُخطئ _موعدهُ
# زادك

إرسال تعليق

0 تعليقات