خارج عن المألوف
خارج عن المألوف
قد تعتقد بأن رحلتك لحلمك جميلة، وفجأة تكتشف أن الأجمل هو فعلك لشيء عكس ما ألفه الجميع.
أقول كلماتي هذه وأنا أقف أمام حشد كبير من الناس، وهناك أرى أمي وهي تنظر لي بابتسامة من هو غير مصدق لما يحدث، فهمتها وبسرعة مرت بذاكرتي ذكرى بعيدة...
ـ نور، صغيرتي هذا الوضع لن يجدي نفعًا، عليكِ أن تتشجعي.
كان تلك كلمات والدتي حينما أخبرتها بأني أريد العمل، ولكن ليس في التدريس لأني أخشى الجموع.
حقيقة ترعبني الجموع، لا أحب المواجهة مع أحد، بمفردي أتحدث بطلاقة لم يعهدها أحد، ولكن إن وضعتني أمام جمع لأتحدث معهم أبدأ بالتلعثم كطفل يتلعم الحديث في بداياته.
نظرتُ لأمي وقلت لها:
تعلمين بأني أخاف من التجمعات حولي.
ربتت على كتفي بحنان وقالت لي:
حاولي التغلب على هذا، من يريد أن يخرج عن المألوف عليه أن يكون هو أيضًا غير المألوف.
أومأت لها وظل حديثها يدور في عقلي.
نهضتُ لغرفتي وجلست على مكتبي وجلست أفكر فيما عليَّ فعله، وقررت المواجهة رويدًا رويدًا.
بدأتُ العمل، وتنقلت من هنا لهناك، وإن نسيت كل شيء لا أنسى والدتي ووجودها بجانبي، وجدتها في لحظات سقوطي تقوم بمد يدها لي، وفي يوم ما كنت ذاهبة للمكتبة ورأيتُ موقفًا حدث أمامي بين أب وابنته
أنتِ لن تذهبي إلى أي مكان سوى معي
كان يصرخ بوجهها في منتصف الشارع ممسكًا بيدها بعنف، كانت تنظر له بأعين دامعة وقالت له:
أرجوك أبي اتركني أذهب.
تجمع الناس حولهم محاولين التفرقة بينهما، ولكنه كان يبعدهم، اقتربت منهما وأمسكت بالفتاة بهدوء وقلت لها:
لماذا يصرخ هكذا بكِ هكذا؟
نظرت لي وكأني طوق نجاتها وتمسكت بي وقالت بلهفة:
أرجوكِ أريد الذهاب لأمي ولا يدعني أذهب.
نظرتُ لها بشفقة ووقفت أمامها وقالت بوالدها بهدوء:
سيدي لماذا لا تريد تركها تذهب لوالدتها؟
رد بصوت مرتفع:
لا أسمح لأحد بالتدخل بيني وبين ابنتي.
جال بخاطري أنني إن تحدثتُ معه بصراخ مثلها فلن يجدي نفعًا، فقلت له بهدوء:
أيمكن أن أفهم السبب، إن لم يكن لديك مانع؟
ظل ينظر لي للحظات وقال لي:
لا أريدها أن تميل لوالدتها أكثر...
لماذا؟
هدأ قليلًا وقال:
كنت متزوجًا منها ولكنها لم تكن تهتم لمنزلها، وكانت مهملة فيه، حتى عندما أنجبت ابنتها لم يتغير شيء.
نظر لابنته وأكمل حديثه:
أخشى أن تقرري العيش معها حينها ستُهدم حياتك.
ابتسمت له وقلت له:
كان يمكنك أن تشرح هذا بهدوء، الصوت المرتفع والصراخ ليس حلًا، بل يجعل الشخص يعاند أكثر.
نظرت لابنته وقلت لها:
والدك يحبك، فعل كل هذا بدافع محبته لك.
نظرت لي بدموع امتنان، قربتها من والدها وقالت لهما:
إن كانت حياتكما أفضل بمفردكما فلا تهدماها لأجل أي أحد.
تركتهما وغادرت، وفجأة أدركتُ بأني وقفت لحل نزاع أمام عديد من الناس، بل وتحدثت بشجاعة.
ابتسمت لنفسي وحينها عدتُ للمنصة التي أنا أقف معتلية إياها، وابتسم لوالدتي وأتجهز لأبدأ حديثي بدون خوف، أو توتر...
ـ سهام عماد.
#قصة قصيرة #الثقة

تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقا لنكمل مسيرتنا وندعم المزيد.