ذنبٌ موروث

ذنبٌ موروث
ذنبٌ موروث
بينَ أزقةِ الشوارعِ على هوامشِ المُدُن حيثُ تموتُ الخرائطُ وتُولدُ الحواري النائية، تنتشرُ الفوضى والعبثُ اللانهائي في نِظامِ العيش. 
ما بينَ فقرٍ ينهشُ، وسرقةٍ تستشري، واعوجاجٍ في السلوك، وسوءٍ في ملافظِ الكلام، وجرائمَ تخدشُ صفحةَ الحياء.
هُنا، في عامِ الألفينِ وسبعة، في قلبِ عزبةِ الهجانة، بين جدرانٍ متآكلةٍ لبيتٍ قديمٍ يكسوهُ الهلاك، وُلِدَت "حورية". 
كانت اسمًا على مُسمىً في حُسنِ خلقها، سُبحان من رسم في ملامحها البراءةَ والجمالَ وكأنها ملكةٌ من ملكاتِ الزمان.
لم تكُن نشأتُها مُلائمةً لذلك الوجهِ الملائكي البتَّة، ولا بيئتُها متماشيةً مع أدبها وأخلاقها النادرة في ذلك المكان. كبرت حورية وأتمت السابعةَ عشرَ وهي ذاتُ خُلُقٍ ودينٍ وعلم.
كانت والدتُها تحاول قدرَ المستطاع أن توفِّرَ لها تلك البيئةَ المنعزلةَ عن بيئتها المحيطة من خلال بيتها ومدرستها الراقية التي حاربت الظروفَ لإلحاقها بها، حيثُ كانت تعملُ بائعةً في بقالةٍ شعبيةٍ على ناصيةٍ في حارةٍ ما، وزوجُها قد توفاهُ اللهُ مُذ كانت حورية في شهورها الأولى في بطنِ أمها.
أو بالأحرى.. زوجُها لم يمُت بل قُتِل!
قُتِلَ عمدًا على يدِ أحدِ تُجارِ الممنوعاتِ بالحارة، لأنه رفضَ رفضًا قاطِعًا الانضمامَ إلى عصابته وتمسكَ بأن يأكلَ لقمته بالحلال لكي يباركَ له اللهُ في ابنته.
وعندما قررَ أن يُبلغَ عن إجرامه لكي لا يحملَ ذنبًا على تستره، ترصّدَهُ ذلك الضبعُ الضاري "بشير" وهو في طريقه وسَفكَ دماءَهُ بوحشيةٍ مُميتة.
لطالما تكتمتْ والدةُ حورية عن ذلك السرِّ ولم تتفوهْ بهِ لابنتِها خشيةَ أن تتأذى نفسيتُها أو تُصابَ بالذُعر فلا تستطيعَ أن تُكملَ حياتها بهدوء.
في يومٍ من الأيام، كانت تمشي على استحياءٍ متجهةً لبيتها، لكن استوقفتها سيارةٌ فخمةٌ تسيرُ في اتجاهها بسُرعةٍ جنونية!
أغلقت عينيها في ذُعر، ثم ثقبَ أذنَها صوتُ إطاراتِ السيارةِ وهي تحتّكُ بالأرض، فعلمت أنها توقفت.
لم تنظر لليسارةِ ولا لمن يقودها، فقط أرادت الخلاص، فهرولت والخوفُ يكسو ملامحَها.
بينما كان هو يُراقبُ حركاتِها من الداخلِ وعلاماتُ الاستفهامِ تعلو رأسَهُ، تفوّه في قِلةِ حيلة: آهٍ منكن يا فتيات، ستعيشنّ وتمُتنّ غبيّات، أهُناكَ عاقلٌ يمشي وسَطَ الشارع هكذا؟!
عندما وصلت حورية، قصّت على أمها كلَّ ما جرى لها في يومها كعادتها، وتوجهت إلى سريرها لتغُطَّ في نومٍ عميقٍ كان كفيلًا أن يقلبَ مجرى حياتها.
صحيحٌ أنها كانت نائمة، لكن ذلك الشخصَ الذي ظل يتراءى في منامها قد حرمها لذةَ نومها.
استيقظت في شيءٍ من الثِّقلِ والتعب، ولم تفهم من ذا الذي ظلت تحلمُ به طوال الليل، ولماذا؟
نفضت أفكارَها وقامت بروتينِ صباحها ثم خرجت لتحضرَ بعضَ الحاجيات.
لفت انتباهَها سيارةٌ تصطفُ في نهايةِ الحارة، وشعرت أنها رأتها من قبل.
فما إن وصلت إليها حتى خرجَ منها شابٌ يبدو أنه في أواخرِ العشرينات، فتلاقت أعينُهما وصُدِما الاثنان، حتى نطقا في صوتٍ واحد: أنتِ!..أنت!
المُفاجأةُ بالنسبةِ له أن الفتاةَ نفسَها التي كاد يدعسُها البارحة، والمُفاجأةُ الأقوى أنها الشابُّ ذاتُهُ الذي رأته حورية في منامها.
رسَمَ هو على ملامحه ابتسامةً خفيفةً وقال في هدوء: مرحبًا، أنا يُوسُف، معذرةً لِما حدث بالأمس، كدتِ أن تكوني ضحيتي وأُسجنَ بسببكِ، لكن العيبَ منكِ أولًا و...
لم يُكمل حديثَه فورَ رؤيتها شاردةً تُحاول استيعابَ كلامه، وتنظرُ له نظرةً عميقة، فقال بقلق: ما خطبُكِ؟
لم تنبس ببنتِ شفة، وفرّت من أمامه.
_ضحكَ عليها بخفةٍ وقال في نفسه: يا ربّاه! أنتِ مُجددًا؟!
ثم تبدلت ملامحُه إلى جمودٍ وهو يقول: 
يجب أن أُنهي مُهمتي هُنا وأعودَ من حيثُ أتيت، فهيئتي لا تُناسِبُ ذلك المكان، ولا أودُّ أن يلحقَ بي عارُ أبي الذي سببه لي وللعائلةِ أجمع.
ظلت حورية في توهانٍ وحيرةٍ ورأسُها يكاد ينفجرُ من فرطِ الأسئلة: 
تُرى من أنت! ولماذا تُطاردني في الخيالِ والواقعِ أيضًا؟
حتى أن مظهرُك وكلامَك لا يقولان أنك من مكانٍ كهذا كمُعظمِ الشُبان الذين أراهم.
لم تجد حلًا إلا أن تسألَ والدتَها، وعندما سألتها عنه لم تجد إلا ردَّةَ فِعلٍ عصبيةٍ وأخذت توبخُها: لا شأنَ لنا.. ولا تتحدثي مع ذلك الشابِ مرةً ثانية أفهمتِ؟!
ظنت أن أمها مُبالغةٌ في الأمر ولم تُعِر كلامَها انتباهًا.
مرت الأيام، وأصبحت حورية كثيرةَ الخروجِ من المنزل على غير عادتها، 
تتعمدُ ذلك وتتحججُ بأي شيء، 
فقط؛ لِتراه!
في كُلِّ مرة كانت تلتقي أعينُهما كان يشُبُّ حريقًا في صدرها بإحساسٍ لم تعهده من قبل.
هي لا تعرف ما هذا، لكنها ألِفته، وتشعرُ بالسعادة عندما يحدثُ ذلك.
تُحِبُّ نظراتِه، وحديثَه، كل هذا وهي تُراقبُه من بعيدٍ فقط.
إلى أن جاء يومٌ قررت فيه أن تعاودَ الكرَّةَ وتسألَ والدتَها عن هويته.
فلم تجد إلا غضبًا ووجهًا لم ترَهُ من أمها من قبل.
وعندما أحسّت الأمُ بفعلتها زفرت بضيقٍ وقالت:
آسفة يا ابنتي لم أعتد أن أرفعَ صوتي عليكِ هكذا ولكن،
إنه..إنه ابنُ بشير!
تجمدت حورية مكانَها، والكلمةُ نزلت على قلبها كالسيف: "ابنُ بشير".
بشير؟ اسمٌ لم تسمعه من قبل، لكنه أحيا في صدرِ أمها خوفًا دفينًا.
تراجعت خطوةً للوراء وهمست: ومن يكون بشير يا أمي؟
فأجابتها أمها بدموعٍ محبوسة: عدوكِ وعدوي... وعدو أبيكِ الذي لم تعرفيه.
لطالما حرصتُ على عدمِ إخباركِ بهذا السر، واليوم جاء الوقتُ المناسب.
ثم قصّت عليها كلَّ ما حدث قبل أن تُولد، وأكملت: علِمتُ من بعض الجيران أنه ابنُه الذي سافرت بهِ أمه بعد إعدامِ أبيه.
خارت قِوى حورية وسقطت أرضًا بعد ما سمعته: كلَّ هذا العُمر تخفين عني الحقيقة؟
حرامٌ عليكِ يا أمي، فتلك القوةُ التي كنت أُكملُ بها حياتي سُلبت مني الآن.
في جهةٍ أُخرى: كان يوسُف قد أوشك على بيعِ البيتِ الذي تلوثَّ بالحرامِ والدماء. أخذ يجمعُ ما بهِ من أوراقٍ وملفاتٍ قديمة، كانت تتوسطُها صورةٌ لرَجُلٍ يبدو مألوفًا..
ولِلحظة، تذكّر الفتاةَ نفسَها، التي لم يعرف اسمَها حتى الآن، لكنها حفرت في قلبهِ ختمَ عينيها اللتين سحرتاهُ دون التفّوه بحرفٍ واحد.
إنه يُشبِهُها لحدٍ كبير.
ازدادَ الأمرُ تعقيدًا في رأسه، ففكّر أن يتحرى عن الأمرِ من صديقه الذي يسكن هُنا علّهُ يفهم.
ذهب ليُقابله وأعطاه الصورةَ ليُدقّقَ فيها، فَصُدِمَ عندما سمع تلك الكلمات: 
إنه الرجلُ الذي سُجِن أبوكَ في قتلهِ يا يوسف.
لم يُعلق على أي شيء، فقط سأل سؤالًا واحدًا، كأنه كان يخشى إجابته: أخبرني.. هل لهذا الرجلِ أولاد؟!
قال صديقه في تعجّب: نعم، لديهِ فتاةٌ تُدعى حورية، مات قبل أن يراها، لِمَ هذا السؤال؟
لم يُجبه وانطلق بسرعةِ الصاروخِ مُستقلًا سيارتَه، مُتجهًا لبيتها عساهُ يُنقذ ما يمكن إنقاذه.
وصل أخيرًا، وطرق البابَ بيأسٍ وقلق: 
فتحت الوالدةُ مذهولةً ممن أمامها، لم تكد تنطق حتى اقتحم المنزلَ وأخذ يبحث بعينيه يمينًا ويسارًا عنها.
بعد ثوانٍ سمع صوتَها خلفه: أنا هُنا.
تنهّد بارتياحٍ والتفت إليها: أنا...
تعلثم لسانُه وجحظت عيناه عندما شاهد الخِنجرَ يستقرُّ في قلبه وتُضخُّ منه الدماءُ ضخًا.
أما هي: فَعَلا نحيبُها وصرخت بين دموعها وهي تشير إلى فؤادها: ذلك اللعينُ ربطني بك، لقد أحببتك يا غريمي! أحببتك وكنت بلهاءَ بجدارة.
أعلمُ أن ليس لك ذنبٌ فيما حدث لأبي، لكني قضيتُ عمري أنا وأمي في وحدةٍ وعذاب، ولا مانعَ أن أُكملَ ما تبقى في عذابٍ أكبر.
ها قد انتقمتُ لوالدي، ومرحبًا بالجحيمِ بعيدًا عن جنتك التي كانت ستذكرني دائمًا بعجزي.
نطقت كلماتها الأخيرة وتوقفت أنفاسُها ثم ارتمت إلى مصيرٍ مجهول.
# النهاية 
#شهد_مجدي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تبًا

" الضوء الذي لا يُخطئ موعده "

العنوان: بداخلي ـ روح ـ مبعثرة