ترانيم الطين و الضوء
( ترانيم الطين والضوء )
في قرية "واد النخل"، لم يكن عم منصور مجرد رجل يعجن الطين ليصنع الفخار، بل كان حكيمًا يقرأ ملامح البشر كما يقرأ تفاصيل آنية الخزف قبل دخولها النار. كانت دكانه الصغيرة المفتوحة على الشارع الرئيسي مقصدًا لكل غادٍ ورائح، تملؤها جرار الماء المبردة، والقلل المزخرفة بآيات الطمأنينة.
ذات صباح خريفي، دخل الدكان شاب يُدعى "كريم". كان وجهه شاحبًا، وعيناه مكسورتين، يحمل في صدره ثقل إخفاقات متتالية بعد أن خسر تجارته الأولى وأغلق في وجهه أكثر من باب. جلس كريم على مقعد خشبى قديم، وزفر تنهيدة طويلة كادت تطفئ شعلة النار التي ينضج بها منصور فخاره.
نظر إليه الشيخ العجوز بنظرة حانية، ولم يسأله عما به، بل أشار بيده الدافئة إلى كومة من الطين الرمادي البارد في زاوية الغرفة، وقال بصوت رخيم: "انظر يا بني إلى هذا الطين.. أترى فيه أي جمال؟" هز كريم رأسه نفيًا وقال: "لا يا عم منصور، مجرد تراب وماء، لا قيمة له وتتسخ منه الأيدي".
ابتسم الشيخ، ثم أخذ قبضة من ذلك الطين، ووضعها على عجلة الفخار الدوارة. بدأت العجلة تدور، ويد الشيخ تلامس الطين برفق ولين تارة، وبضغط وقوة تارة أخرى. كان الطين يرتفع وينخفض، يتشكل ويتغير، وكريم يراقب المشهد بوجوم.
تابع منصور حديثه وهو يرفع الإناء ببراعة: "هذا الطين يمر برحلة قاسية. لكي يصبح عظيمًا ونافعًا، يجب أولًا أن يُعجن بقوة، ثم يُوضع على هذه العجلة الدوارة التي تدير رأسه، ثم تشكله الأصابع بالضغط والوجع. لكن.. هل تنتهي الرحلة هنا؟"صمت كريم مفكرًا، فأكمل الشيخ: "لا.. بل يدخل بعد ذلك فرن النار الملتهبة. لو نطق الطين لصرخ من ألم الحرق، لكنه يعلم —أو بالأحرى يعلم صانعه— أن النار هي الوحيدة التي ستمنحه الصلابة، وتجعل ألوانه تزهو، وتحميه من التفتت إذا ما ملأه الناس بالماء".
توقفت العجلة، وكان بين يدي الشيخ إناء غاية في الإتقان والجمال. التفت منصور إلى كريم وثبّت عينيه في عينيه قائلًا: "نحن يا بني كهذا الفخار. يخلقنا الله من طين، وتصقلنا تجارب الحياة. الأزمات، والكسر، والخسارة، ليست إلا أصابع القدر التي تعيد تشكيلنا لنكون أقوى. والنار التي تمر بها الآن من ضيق وخوف، ليست لحرقك، بل لتمنحك الصلابة والعمق".
سكت الشيخ، وتركت كلماته أثرًا عميقًا في نفس كريم. شعر وكأن النور بدأ يتسلل إلى عتمة قلبه، وأن خيباته لم تكن نهاية المطاف، بل كانت مرحلة "العجن والتشكيل" ليصبح إنسانًا أكثر نضجًا وحكمة.
توضأ كريم، وصلى في زاوية الدكان ركعتين شكرًا لله على بصيرة لم يكن يراها، وخرج إلى الحياة وهو يحمل في قلبه يقينًا جديدًا: أن الصانع الحكيم سبحانه لا يبتلي ليعذب، بل ليصنع من طين نفوسنا تحفًا تشع بالضياء والصلابة.
الاسم: إسراء عبد الرازق
#قصة قصيرة #الابتلاء#الضوء#الوعظ.

تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقا لنكمل مسيرتنا وندعم المزيد.