على رصيف الذاكرة
*على رصيف الذاكرة*
انهمرَ الظلامُ على محطة القطار كحبرٍ داكنٍ أُريقَ على خريطة المجهول، كانت السكةُ الحديدية تمتد في العتمة كأفعى حجرية نائمة، بينما تقف سلسبيل تحت الضوء الخافت المتذبذب من مصباحٍ عتيق، يُصدر طنيناً يشبه أنين الروح المتعبة. في يدها اليمنى، كانت تقبض على مظلة سوداء مطوية، لا تقيها من مطرٍ غائب، بل لكِ تتكأ عليها كأنها العكاز الأخير لثباتها أمام رياح شكوكها. أما في يدها الأخرى، فكان يستقر "الصندوق الأسود"؛ صندوقٌ خشبيٌّ ثقيل، صامدٌ أمام الزمان، ينبعث من ثناياه عبقٌ غريب. كانت رائحة قهوة قديمة تتسلل من شقوقه المحكمة، رائحةٌ نفاذة تُشبه ذكرياتٍ كثيرة دُفنت عميقاً، محبوكة بمرارة الأيام وشوق السنين.
كان الصندوق يمثّل لسلسبيل لغز حياتها الأكبر؛ قيل لها إن فيه سرّ اختفاء والدها، وإن المفتاح الحقيقي ليس شيئًا يُحمل في الجيب، بل لحظةٌ تُعاش.
وفجأة، شقّ الصمتَ صريرُ حديدٍ مروع، واهتزت المحطة تحت قدميها كقلبٍ مذعور. أقبل القطار الأخير مخترقًا الضباب، بأضوائه الكاشفة التي شقت الظلمة كسيوفٍ من نور. توقف القطار بصوتٍ يشبه الصرخة الأخيرة لغريق، وانفتح باب العربة الوسطى بطريقةٍ استعراضية مريبة.
لم يخرج أحد، لكن من داخل العربة المظلمة، انسابت ذات رائحة القهوة القديمة بكثافةٍ كادت تخنق أنفاسها بشدة.
ارتجفت أصابع سلسبيل على مقبض المظلة، ونظرت إلى القفل الفضي الصغير المدمج في الصندوق الأسود؛ وفجأة، وبدون أي تدخل منها، اصطكّ القفلُ وصدر عنه صوتُ "تكة" خفيفة لقد انفتح الصندوق من تلقاء نفسه!
هبطت عيناها بذعرٍ وخوف شديد إلى الداخل، فلم تجد جوهرًا ولا وثائق، بل وجدت مرآةً صغيرة عاكسة، ومكتوبًا تحتها بخط يدٍ مألوف جداً: "من يركب القطار يترك الصندوق، ومن يفتح الصندوق ينسى القطار."
في تلك اللحظة، تحرك القطار ببطءٍ معلنًا بدء الرحيل، وانزلقت المظلة من يد سلسبيل لتسقط على الرصيف البارد برنينٍ حاد. وقفت بين خيارين كلاهما مرّ: أن تصعد إلى القطار لتلحق بالماضي دون أن تعرف ما في الصندوق، أو أن تغلق الصندوق وتواجه الحقيقة التي تعكسها تلك المرآة الصغيرة.
بقملي نرمين عبدالغفار
#قصة قصيرة#الذكريات#المواجهة.
مبادرة زادك

تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقا لنكمل مسيرتنا وندعم المزيد.