هل القسوة خُلُقٌ أم نتيجة؟

الرحمة رغم الألم." هل القسوة خُلُقٌ أم نتيجة؟"

ما القسوةُ في أكثر أحوالها إلا صدأُ روحٍ طال عليها مطرُ الخيبات حتى أكل بريقها، أو قشرةُ شجرةٍ اشتدَّ عليها القيظُ حتى غلظ لحاؤها، لا لأنها كرهت الربيع، ولكن لأنها لم تعد تأمن الفؤوس.
فالقلوب لا تُخلق من حجر، وإنما تُحجِّرها الأيّام.
كلُّ خذلانٍ قطرة، وكلُّ فَقْدٍ قطرة، وكلُّ كلمةٍ جارحةٍ قطرة، حتى إذا اجتمع القطرُ بعد القطر، لم يمتلئ القلبُ ماءً، بل امتلأ ملحًا؛ فإذا أراد أن يُنبت رحمةً، أحرقها ملوحته.
وما أشبه النفسَ بالأرض؛ فإن سُقيت بالودِّ أزهرت، وإن توالت عليها مواسمُ الجدب، تشققت حتى صارت تُنبت الشوك بدل الزهر.
 وليس الشوكُ طبيعةَ الأرض، وإنما هو حكايةُ المطر الذي تأخر.
غير أنّ في القسوة خديعةً ماكرة؛ فإنها تُقنع صاحبها أنه قد نجا، وما نجا، وإنما استبدل نزيفَ الجرح بموت الإحساس. والميتُ لا يتألّم... لكنه كذلك لا يشعر بالحياة.
فويلٌ لقلبٍ اتخذ من قسوته تاجًا، وظنَّ أن الصلابةَ عظمة، فإن الحديدَ وإن اشتدَّ، تأكله ذرّاتُ الصدأ في صمت، حتى يسقط وهو يظنُّ نفسه عصيًّا على الكسر.
لقد يكسرك الناس مرة، ولكنك إن سمحت لقسوتك أن تسكنك، كسرتَ نفسك ألف مرة. 
فما أشدَّ خسارةَ امرئٍ أفلت من أنياب الذئاب، ثم افترسته الوحشةُ التي ربّاها في صدره.
إن أعظم الانتصارات ليست أن تُغلِق قلبك، بل أن تُبقي فيه نافذةً للرحمة، رغم العواصف. 
وأن تظلَّ نهرًا، وإن ألقى الناسُ في مجراك الحجارة؛ فالنهر لا يتعلّم من الصخور القسوة، بل يعلّمها معنى الجريان.
فالقسوة ليست خُلُقًا حين تولد، وإنما هي غبارُ المعارك إذا تراكم على القلب. 
فإن بادر صاحبُه إلى غسله بدمعةِ توبة، أو صدقِ مناجاة، أو نورِ يقين، عاد قلبه مرآةً تعكس السماء. 
وإن تركه، تحوّل الغبارُ إلى صخر، ثم صار الصخرُ قبرًا، يُدفن فيه القلب قبل أن يُدفن الجسد.
فاحذر أن تُكثر الاعتذار لقسوتك بحجّة ما رأيت؛ فإن المصائب تمتحن معادن الرجال، ولا تُبدّل حقائقها.
 والفضل ليس لمن لم تُكسره الأيام، وإنما لمن خرج من تحت أنقاضها وقلبُه ما يزال يعرف الطريق إلى الرحمة.

ڪ: سدرة إكرامي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تبًا

" الضوء الذي لا يُخطئ موعده "

العنوان: بداخلي ـ روح ـ مبعثرة