Header Ads Widget

حين دارت العقارب

#تضحية_انتظار_أمل#
*حين دارت العقارب*
في بقعة منعزلة عن العالم، حيث تتحدث الأشجار بلغة الريح وتصغي البحيرة لأسرار السماء، كان هناك كوخ خشبي صغير دافئ ينبعث من مدخنته خيط رفيع من الدخان الرمادي. هنا عاشت فتاة اسمها جوري ذات ملامح جذابة وعيون زرقاء، اختارت العزلة لا هربًا من الحياة، بل بحثًا عن حقيقتها الصامتة. كان يومها يبدأ مع تبدد الضباب الأول فوق سطح البحيرة الراكدة التي تمتد أمام كوخها كمرآة عملاقة من الفضة والغموض. كانت تفاصيل حياتها بسيطة لكنها حميمية؛ تجمع الحطب الجاف، تعد قهوتها الصباحية برائحة الهيل، وتجلس على عتبة الكوخ تراقب حركة المياه. كانت تشعر أن البحيرة كائن حي، يخبئ في أعماقه العميقة والمظلمة قصصًا وحكايات لا يجرؤ أحد على نبشها. في ليلة خريفية عاصفة، تكاتفت فيها غيوم سوداء حجبت ضوء القمر تمامًا، كانت الرياح تضرب جدران الكوخ الخشبية بقسوة كأنها تحاول اقتلاعه. وبينما كانت تجلس بجانب المدفأة المتوهجة، غارقة في صفحات كتابها القديم، تداخل مع صوت المطر طرقات خفيفة متقطعة على بابها. تسمّرت في مكانها خوفًا فالغابة لم تطرق بابها يومًا.
اقتربت بحذر، أمسكت بقنديل الزيت، وفتحت الباب ببطء. انسلخ من عتمة الليل شاب وسيم، لكنه كان غارقًا بالمطر، شاحب الوجه، يضغط بيده على كتفه الأيسر النازف، وعيناه تحملان خليطًا غريبًا من الرجاء والتعب الشديد. كان عيناها تتوسلها بأن تنقظه، وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، ترنح وسقط عند عتبة بابها.
لم تتردد؛ سحبته إلى الداخل بجهد جهيد، وأغلقت الباب بوجه العاصفة. مر يوم والثاني والثالث، طوال ثلاثة أيام، كانت تعتني به بهدوء كأنها تداوي طائرًا جريحًا سقط في حديقتها. طهّرت جرحه العميق الذي بدا كأنه أثر لرصاصة أو شظية، وصنعت له حساًء دافئًا من أعشاب الغابة. حين استعاد وعيه، لم يسألها أين هو، ولم تسأله من يكون. نشأت بينهما لغة عجيبة قوامها الصمت والعيون هي التي كانت تتحدث. كان يراقبها وهي تتحرك في الكوخ بخفة، ويرى في عينيها سلامًا وراحة لم يشعر بها من قبل، بينما كانت ترى فيه غموضًا يجاذبه بريق دافئ يبعث على الأمان. مع مرور الأيام، بدأ يساعدها في أعمال الكوخ؛ يحمل عنها جذوع الخشب الثقيلة، ويشعل النار بمهارة غريبة. في المساء، كانا يجلسان أمام المدفأة، يتبادلان أحاديث قصيرة ودافئة عن تفاصيل الغابة، لكنه كان يتجنب دائمًا الحديث عن ماضيه. لفت انتباهها أنه كان يحمل في معطفه ساعة جيب قديمة، عقاربها متوقفة تمامًا، لكنه كان يتأملها بكثرة وكأنها تربطه بزمن آخر. بدأ الإعجاب يتسلل إلى قلبها كدفء خفي يذيب جليد عزلتها، وشعرت لأول مرة أن هذا الكوخ لم يعد يتسع لشخص واحد فقط. في الليلة السابعة، كان الجو هادئًا بشكل مريب، والبحيرة ساكنة كقبر من فضة. وقف الشاب عند النافذة يتأمل الأفق لساعات، ثم التفت إليها وقال بنبرة دافئة تشبهه الحزن:
"أحتاج إلى استعارة قاربكِ الليلة لأعبر إلى الضفة الأخرى هناك أمر لا بد أن ينتهي، وأعدكِ أنني سأعود قبل أن يلامس الفجر وجه البحيرة، لأشرح لكِ كل شيء."
أومأت برأسها صامتة، رغم أن قلبهت كان ينبض بقلق غامض. راقبته وهو يصعد إلى القارب الخشبي الصغير، ويجدف ببطء حتى ابتلعه الضباب الكثيف في منتصف البحيرة.
عادت إلى الكوخ، وبدأت في ترتيب الفراش الذي كان ينام عليه لتهدئة نفسها. وتحت وسادته، تعثرت بكتيب صغير سقط منه. فتحته لتجد سطرًا واحدًا مكتوبًا بخطه:
"البحيرة ليست فاصلًا بين ضفتين، بل هي الملاذ الأخير لمن تطاردهم خطايا الآخرين. إذا لم يعد القارب، فاعلمي أنني اخترتُ سلامكِ على سلامي."
تجمدت الدماء في عروقها. أدركت فجأة أن الغريب لم يكن تائهًا، بل كان يهرب من خطر كبير، وأنه ربما عبر إلى الضفة الأخرى ليواجه مصيره لحمايتها من أن تُجر إلى عالمه المظلم. مع خيوط الفجر الأولى، وقفت على حافة البحيرة. كان الضباب كثيفًا جدًا، أبيض ككفن يغطي الماء. ظلت عيناها معلقتين بالأفق، والبرد يقرص وجنتيها، وقلبها يخفق بقوة مع كل حفيف شجرة. فجأة، من بين طيات الضباب، ظهر خيال القارب الخشبي الصغير.
بدأ يقترب متهاديًا مع الأمواج الخفيفة، مائلاً تارة ومستقيمًا تارة أخرى، كأنه يسير بلا هدى. ركضت نحو الماء والأنفاس تكاد تخنقها، وسحبت طرف القارب إلى الشاطئ.
نظرت بداخله وكان فارغًا تمامًا.
لم يكن هناك أثر للشاب. لكن في قاع القارب، رأت شيئين:
وشاحها الصوفي الدافئ الذي أعطته له ليحميه من برد الليل.
ساعة جيبه القديمة الغامضة. وعندما التقطتها بوشاحها، ذهلت حين سمعت صوت دقاتها المنتظمة؛ لقد بدأت عقاربها المتوقفة بالدوران لأول مرة.
التفتت نحو البحيرة؛ كان الضباب في الضفة الأخرى يبدأ بالتبدد ببطء شديد تحت أشعة الشمس الدافئة، كاشفًا عن أفق واسع ومجهول. وضعت الوشاح حول عنقها، وقبضت بفتحة يدها على الساعة النابضة بالحياة، وظلت عيناها معلقتين بتلك الضفة البعيدة.  تسأل نفسها إن كان قد غرق في الأعماق، أم أنه ينتظرها هناك، وراء حدود الضباب، ليبدأ زمانهما معًا.
# نرمين_ عبدالغفار
#زادك
#حين_دارت_العقارب

إرسال تعليق

0 تعليقات