# رقعة ــ الشيطان
رقعة الشيطان
كل صباح، كان يستيقظ قبل أن تستيقظ الشمس.
يجلس إلى طاولة عتيقة، ويفرد أمامه خريطة كبيرة تتناثر عليها بقع خضراء. يتأملها طويلًا، ثم يبتسم ابتسامة لا تعرف الرحمة، ويضع إصبعه على بقعة بعينها.
وفي اللحظة التي يستقر فيها إصبعه، يبدأ الصراخ في مكان لا يسمعه.
في قرية صغيرة، كانت خديجة وأبكر يحرثان الأرض كما اعتادا منذ عشرات السنين. كانا يرددان أغنيات الوطن بصوت متقطع، ينسى أحدهما كلماتها فيكملها الآخر، ثم يضحكان كأن الحياة لم تعرف إليهما طريقًا إلا من باب الرضا.
وحين اشتدت حرارة الظهيرة، أشعلت خديجة نارًا من حطب العشر، وأعدت كوبين من الشاي. مدّ أبكر يده نحو الكوب، وتحسس دفأه، ثم رفعه إلى شفتيه.
وفي اللحظة نفسها...
سقطت القذيفة.
تطاير التراب، وانقلب كل شيء إلى صمت ثقيل.
عندما انقشع الدخان، بقي الكوب في يد أبكر، وبقي دفؤه، أما أبكر نفسه فلم يبق منه سوى جسد أنهكه الموت. ولم يجد أحد أثرًا لخديجة، كأن الريح حملتها إلى مكان لا تعرفه الخرائط.
عاد الرجل إلى خريطته.
كانت البقعة الخضراء قد صارت رمادية.
ابتسم مرة أخرى، وحرك إصبعه نحو بقعة جديدة، تتلألأ فوقها علامة الذهب.
تحرك رجاله، وسرعان ما امتلأت الأرض بالنار، ثم بالجثث، ثم بالآلات التي راحت تنبش التراب، كأن الدم لم يكن سوى ثمن للوصول إلى ما تحت الأرض.
وكان كلما فرغت بقعة، انتقل إلى غيرها، حتى بدا له العالم كله رقعة شطرنج، لا يرى فيها بشرًا، بل أهدافًا.
وفي قرية بعيدة، اجتمع بعض الشبان بعدما بلغتهم أخبار القرى التي ابتلعتها الحرب.
قال أحدهم: "لن ننتظر دورنا."
واقترح آخر أن يبيعوا بعض أغنامهم، ويشتروا بنادق قليلة، لعلها ترد عنهم الموت.
وافق الجميع.
لكنهم لم يعلموا أن إصبعًا أخرى كانت قد سبقتهم إلى الخريطة.
وقبل أن يغادر أولهم القرية، دوّى انفجار هائل، وسقطت الفكرة قبل أن تولد.
وفي آخر الليل، طوى الرجل خريطته، وقال وهو يحدق في بقعة لم يلمسها بعد:
"غدًا..."
ثم أطفأ المصباح.
وبقيت الخريطة مفتوحة على وطنٍ ينتظر أن يقع عليه الإصبع التالي.
الكاتب: #مصطفى ــ محمد
العنوان: # رقعة ــ الشيطان
#قصة قصيرة #الحرب #الظلم
فريق نخبة السرد

تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقا لنكمل مسيرتنا وندعم المزيد.