عنوان النص ؛شظايا صانع المرآة

رماد-كسر-تشتت
عنوان النص: شظايا -صانع -المرآة 
كانت الساعة تُشير إلى منتصف الليل عندما توقفت عقارب الساعة النحاسية القديمة في مكتب المحقق يوسف تمامًا عن الحركة، في تلك اللحظة بالذات، دَوى صوت جرس الباب الخشبي ليعلن عن زائر غير متوقع، فتح يوسف الباب ليجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا مغطى بالغبار، ودون أي أثر للشخص الذي أحضره، عندما فتح الصندوق، لم يجد بداخله سوى مرآة جيب مكسورة وبطاقة سوداء كُتب عليها بخط فضي غريب: "الحقيقة تختبئ في العتمة، وأنت التالي".

بدأت العقدة تتشابك في الصباح التالي، عندما اكتشف يوسف أن ثلاثة من أشهر صائغي المجوهرات في المدينة قد اختفوا في ظروف غامضة خلال الأيام الثلاثة الماضية، الرابط الوحيد بينهم كان غريبًا للغاية؛ فكل واحد منهم ترك خلفه مرآة مكسورة تشبه تمامًا تلك التي وُضعت عند بابه، قاده فضوره وحسه المهني إلى تتبع مسار البيع لهذه المرآة النادرة، ليكتشف أنها صُنعت بالكامل في قبو كنيسة مهجورة عند أطراف المدينة قبل قرن من الزمان،كلما اقترب يوسف من فك اللغز، شعر بظلال تلاحقه، وبدأت أنفاس باردة تحيط به في مكتبه، وكأن الغموض يبتلعه ببطء.

وصلت الإثارة إلى الذروة عندما قرر يوسف التوجه إلى الكنيسة المهجورة ليلًا متبعًا حدسه، دلف إلى القبو المظلم مستعينًا بضوء كشافه الضئيل، لتتحرك فجأة آلية سرية في الجدار وتغلق المخرج خلفه تمامًا، انطفأ الكشاف، وعم ظلام دامس قبل أن تضاء شموع هيدروجينية زرقاء فجأة، لتكشف عن غطرسة المشهد؛ الصائغون الثلاثة كانوا مقيدين إلى كراسي خشبية في وسط الغرفة، وأمامهم مرآة ضخمة سليمة، من خلف المرآة، ظهر رجل يرتدي قناعًا حديديًا، وبدأ يتقدم نحو يوسف شاهرًا خنجرًا أثريًا، صائحًا بأن يوسف هو القطعة الأخيرة المتممة للقرابين ليستعيد صانع المرآة بصره المفقود، في ثوانٍ معدودة، دارت مواجهة عنيفة وحابسة للأنفاس بين يوسف والقاتل، حيث اعتمد المحقق على صوت خطوات خصمه في الظلام ليتفادى ضرباته المهلكة.

تجلت النهاية بحسم ذكي؛ ففي اللحظة التي رفع فيها صانع المرآة خنجره ليسدد الضربة القاضية، تذكر يوسف مرآة الجيب المكسورة في جيبه، أخرجها بسرعة ووجّه كسرتها اللامعة لتعكس الضوء الأزرق المنبعث من الشموع مباشرة نحو عيني القاتل المقنع، أصيب الرجل بالعمى المؤقت جراء الضوء المفاجئ وترنح إلى الخلف، ليتعثر بالشموع التي سقطت وأشعلت النيران في الستائر القديمة، استغل يوسف هذه الفوضى، وحطم قفل الأسرى بسرعة، ثم قادهم نحو مخرج الطوارئ الذي انخلع تحت ضغط النيران، ومع وصول الشرطة، كانت الكنيسة قد تحولت إلى رماد، واختفى صانع المرآة بداخلها دون أثر، تاركًا خلفه لغزًا نجا منه يوسف بأعجوبة، لكنه علم أن الحكاية لم تنتهِ بعد.


 ک :إسراء عبد الرازق
#نص#رماد #كسر#تشتت


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تبًا

" الضوء الذي لا يُخطئ موعده "

العنوان: بداخلي ـ روح ـ مبعثرة