Header Ads Widget

لعنة الذاكرة

قصة لعنة الذاكرة
كان هذا يومها الأول في المعسكر الصيفي.
وقفت دارين أمام البوابة الحديدية تتأمل المكان بصمت، بينما كانت أصابعها تعبث بحزام حقيبتها في توتر خفيف. لطالما انتظرت هذا اليوم، لكنها لم تتوقع أن تشعر بهذا القدر من الغرابة فور وصولها.
تقدمت إلى الداخل بخطوات مترددة، وعيناها تتنقلان بين المباني المتباعدة والأشجار التي تحيط بالمكان من كل جانب.
لكن شيئًا واحدًا استحوذ على انتباهها منذ اللحظة الأولى.
مبنى منعزل يقف بعيدًا عن بقية المباني، فوقه لافتة كبيرة كُتب عليها: ممنوع الاقتراب.
وخلف المبنى مباشرة، ظهر باب خشبي ضخم نُقشت في منتصفه ساعة قديمة.
شعرت بانقباض غريب في صدرها.
كان الهواء أثقل من المعتاد، والهمسات المتداخلة من حولها تزيد إحساسها بأن هناك شيئًا غير طبيعي في هذا المكان.
ـ عاملة إيه؟
انتفضت قليلًا على أثر الصوت، ثم التفتت بسرعة.
كان شابًا طويل القامة، بملامح جامدة ونظرة يصعب قراءتها. بدت عليه مسحة برود واضحة، وزادت الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر من حدّة مظهره.
ـ الحمد لله... إنت مين؟
أجابها بنبرة عملية هادئة: ـ أنا تميم، قائد المجموعة هنا. بما إنك جديدة، هعرّفك على المكان وأقولك القوانين.
ابتسمت بخفة ومدت يدها نحوه. ـ تشرفت بمعرفتك، أنا دارين.
صافحها سريعًا قبل أن يشير لها بالتحرك. ـ تعالي، أوصلك لأوضتك.
سارا معًا بين المباني حتى توقف أخيرًا وأشار إلى المبنى البعيد.
ـ آخر قاعدة: ممنوع الاقتراب من المبنى ده.
رفعت حاجبها وهي تنظر إلى اللافتة. ـ واضح فعلًا.
ظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
ـ كويس، واضح إنك بتلاحظي التفاصيل.
لم تفهم سبب النبرة التي قال بها جملته الأخيرة، لكنها شعرت بشيء غامض في كلماته، وكأنه يعرف عنها أكثر مما ينبغي.
تركها أمام غرفتها وانصرف.
ظلت تراقب ابتعاده في صمت، بينما يتسلل إليها شعور مزعج لا تفسير له.
كانت تشعر أنها تعرف هذا الشخص.
ـــ
في تلك الليلة، لم تستطع النوم.
كلما أغمضت عينيها، عاد الباب إلى ذاكرتها.
الساعة المنحوتة عليه، اللافتة، ونبرة تميم حين حذرها منه.
اعتدلت في فراشها بضيق وهمست لنفسها: ليه المبنى ده بالذات؟
زفرت بضيق.
تحوّل الأمر من فضول عابر إلى تحدٍّ شخصي.
وعندما بزغ الفجر، كانت قد اتخذت قرارها بالفعل.
في الصباح التالي، خرجت من غرفتها باكرًا قبل استيقاظ الجميع.
كانت ربطة شعرها تنزلق كل دقيقة، واضطرت لإعادتها للمرة الخامسة وهي تتمتم بانزعاج من فضولها
ـ ممتاز يا دارين، أول يوم وشكلك هتتطردي غالبًا.
سارت بحذر حتى وصلت إلى المبنى الممنوع.
كل خطوة كانت تجعل حماسها يتراجع قليلًا، كأن عقلها بدأ أخيرًا يستوعب أن الاقتراب من مكان مكتوب عليه ممنوع الاقتراب قد لا يكون أذكى قراراتها.
وقفت أمام الباب مباشرة. عن قرب، بدا أضخم مما تخيلت.
رفعت يدها ببطء نحو المقبض.
لكن قبل أن تلمسه، أمسكت يد قوية معصمها
ـ مش قلتلك ممنوع؟
شهقت والتفتت بسرعة.
كان يقف قريبًا جدًا، وعيناه مثبتتان عليها بنظرة حادة لم تفهم معناها.
ـ أنا... كنت باخد جولة بس.
خرج صوتها مرتبكًا أكثر مما أرادت.
نظر إليها طويلًا، قبل أن يسحبها بعيدًا عن الباب.
ـ واضح إنك لسه زي ما إنتِ.
عقدت حاجبيها باستغراب. ـ يعني إيه؟
بدت عليه لحظة توتر خاطفة، كأنه أدرك ما قاله.
ثم قال ببرود مصطنع: ـ يعني فضولية زيادة عن اللزوم. ولازم تتحكمي في ده.
ظلت تحدق فيه بصمت.
لم يكن الأمر مجرد فضول هذه المرة.
بل شعور متزايد بأن هذا اللقاء ليس الأول بينهما.
ــ
يوم جديد وهي عازمة على معرفة ما خلف هذا الباب وقد تأكدت من عدم وجود هذا القائد المزعج بالنسبة لها. 
تقدمت ناحية المبنى بابتسامة وحقيبتها على ظهرها فهي لا تستغى عنها 
ـ ها نحن ذا، فتحت الباب وكأنه ينتظر أن تقترب ليفتح على مصرعيه 
- لأ، ولكن قد فات الاوان 
كان هذا صوت تميم ألا تدخل إلى أن أمسك يدها وانسحب معها إلى الداخل.
أفاقت دارين من دوارٍ عنيف وهي تشعر بأن الأرض تمتد تحتها على نحو غريب، كأنها فقدت توازنها لثوانٍ طويلة قبل أن تستقر أخيرًا.
رفعت رأسها ببطء، واتسعت عيناها.
لم تعد في المعسكر.
كانت تقف وسط غابة كثيفة، تتشابك أشجارها العالية بصورة خانقة، بينما يلف المكان ضباب خفيف جعل الرؤية ضبابية ومقلقة.
الهواء هنا مختلف، أثقل. وأكثر صمتًا مما ينبغي.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
ـ إحنا فين؟
جاء صوتها مرتجفًا رغم محاولتها إخفاء ذلك.
وقف تميم إلى جوارها، وعيناه تمسحان المكان بحذر واضح.
ـ في المكان اللي كنت بحذرك منه.
التفتت نحوه بسرعة.
ـ يعني إيه؟ إحنا لازم نرجع حالًا.
استدارت تبحث بعينيها عن الباب، لكن الصدمة ضربتها كصفعة باردة.
لم يكن هناك أي أثر له. فقط الأشجار.
ـ الباب فين؟
سألتها بصوت أعلى.
أغمض تميم عينيه للحظة، وكأنه كان يتوقع هذا السؤال منذ البداية.
ـ اختفى.
اتسعت عيناها. ـ اختفى إزاي يعني؟!
رفع نظره إليها أخيرًا.
ـ عشان كده كنت بقولك متقربيش.
شعرت بغضب متصاعد، ممزوج بذعر لم تعترف به حتى لنفسها.
ـ طب ما كنت تشرح بدل الغموض ده كله!
مرر يده في شعره بضيق، ثم زفر ببطء.
ـ ده مش وقته دلوقتي.
ثم أشار أمامه.
ـ لازم نتحرك.
نظرت إليه بتردد، لكنها لم تجد خيارًا أفضل من اتباعه.
سارا بين الأشجار بصمت ثقيل.
كانت خطواتهما بالكاد تُسمع فوق العشب الرطب، بينما ظلت دارين تنظر حولها بتوجس.
كل شيء هنا يوحي بأن المكان يراقبهما.
توقفت فجأة.
ـ استنى.
التفت تميم إليها.
أشارت إلى جذع شجرة قريبة.
كانت هناك رسمة محفورة على سطحها.وجه بشري.اقتربت أكثر، وقلبها ينبض بعنف.
ملامح جامدة، نظرة مألوفة، وندبة صغيرة فوق الحاجب الأيسر.
تجمدت.
ببطء التفتت نحو تميم.
ـ تميم...
لم يجب.
كانت عيناه مثبتتين على الشجرة، وملامحه متصلبة على نحو لم تره منه من قبل.
اقتربت منه خطوة.
ـ إيه ده؟
رفع بصره إليها، ولأول مرة، لم يكن باردًا.
كان خائفًا.
ـ دارين، لازم تسمعيني كويس.
تشبثت أنظارها به.
ـ ليه وشك موجود على شجرة ميتة؟
ساد صمت قصير.
حتى الرياح بدت وكأنها توقفت.
تنهد أخيرًا، وقال بصوت منخفض:
ـ العالم ده بياخد تمن.
عقدت حاجبيها.
ـ تمن إيه؟
ـ الذكريات.
شعرت بقشعريرة تسري في ذراعيها.
ـ مش فاهمة.
أشار إلى الأشجار المحيطة.
ـ كل شجرة هنا كانت شخص دخل المكان ده قبل كده. لما العالم بياخد ذكرى، بيسيب أثرها هنا.
نظرت مجددًا إلى الشجرة، ثم إليه.
ـ والرسمة دي؟
بلع ريقه ببطء.
ـ دي ذكرى اتسرقت منك.
اتسعت عيناها.
ـ مني أنا؟
استردت 
ـ أنا دخلت هنا قبل كده؟
هز رأسه.
شعرت وكأن الكلمات فقدت معناها للحظة.
ـ مستحيل.
ـ ده اللي حصل.
تراجعت خطوة.
عقلها يرفض التصديق، لكن قلبها...قلبها كان يعرف، يعرف أن هذا يفسر كل شيء.
الشعور الغريب، الإحساس بأنها تعرفه.
الارتباك غير المبرر كلما اقترب منها.
رفعت عينيها إليه بصعوبة.
ـ دخلت هنا... لوحدي؟
صمت.
وكان صمته كافيًا.
همست:
ـ لا.
هز رأسه ببطء.
ـ لأ.
حبست أنفاسها.
ـ كنت معايا؟
أغلق عينيه لثانية، ثم قال:
ـ أيوه.
شعرت بالأرض تميد تحتها.
ـ وبعدها؟
قبل أن يجيب، دوّى صوت زئير حاد بين الأشجار.
انتفض كلاهما.
رفع تميم رأسه بسرعة.
ـ اجري.
ـ تميم، رد عليّا!
لكن يده كانت قد أمسكت معصمها بالفعل، وبدأ يجذبها خلفه.
ركضا بين الأشجار بسرعة، بينما كانت أصوات تحطم الأغصان تقترب من خلفهما.
لهاثها أصبح متقطعًا.
ـ تميم!
صرخت وهي تحاول مجاراته.
ـ قولّي الحقيقة!
صرخ دون أن يلتفت:
ـ مش وقته!
ظهر خلفهما وميض ذهبي خاطف.
التفتت للحظة.
وكانت تلك أسوأ فكرة ممكنة.
شيء ضخم يتحرك بين الأشجار، عينان ذهبيتان لامعتان، وحركة غير بشرية تمامًا.
شهقت بقوة.
ـ إيه ده؟!
ـ متبصّيش وراك!
شدها بقوة أكبر، ثم توقف فجأة.
أمامهما، وسط الأشجار، ظهر الباب.
نفس الباب القديم، نفس الساعة المنحوتة.
لكن عقربها هذه المرة يتحرك ببطء.
نظر تميم إليه وكأنه رأى خلاصًا مؤقتًا.
ثم التفت إليها.
ـ اسمعيني كويس.
اقترب منها خطوة.
ـ الباب ده هيفتح لشخص واحد.
شعرت بأن قلبها توقف.
ـ يعني إيه؟
أجابها بهدوء موجع:
ـ يعني لازم واحد فينا يخرج... والتاني يفضل.
اتسعت عيناها.
ـ لا.
الوحش زأر. المرادي الزئير كان فيه حروف متكسرة: دااا... رين... 
تميم اتسمر مكانه فجأة. زقها ورا ضهره بجسمه كله.  
دارين اسمعيني. كان بيتنفس بصعوبة بس صوته حديد. الوحش ده مش عايز ياكلنا.
ـ أومال عايز إيه؟! صرخت وهي بتحاول تشوف من ورا كتفه.  
ـ عايزك تفتكري. لف رأسه لها نص لفة.
ـ كل سؤال بتسأليه، كل ذكرى بتحاولي ترجعيها... هو بياكل منها ويكبر. فهمتي ليه كنت بكدب؟
دارين شهقت. يعني... يعني إنت خبيت عليا عشان... 
"عشان تعيشي." قطعها. "
ـ دلوقتي مش هعرف اقولك حاجة تاني، كل اللي اقدر اعمله اني أكدب عليكي عشان الوحش يبعد عننا لغاية لما تخرجي.
كان الوحش ثبت مكانه، ينظر إليهم، كأنه ينتظر أي شيء حتى يهجم عليها
ـ بصيلي عشان مفيش وقت دلوقتي الباب قريب جدا مننا، لازم تخرجي من هنا قبل ما تفتكري حاجة تاني.
هزت رأسها والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
ـ مش هسيبك.
ظهرت ابتسامة صغيرة متعبة على وجهه.
ـ غريبة.
رمشت بتوتر. ـ إيه؟
ـ المرة اللي فاتت قلتي نفس الجملة.
اختنق نفسها.
قبل أن تسأله، أمسك وجهها بين كفيه، لمحت ذكرى من الماضي، كأن المشهد أتعاد قبل كده.
ـ بصّيلي.
رفعت عينيها إليه.
ـ لو خرجتِ، هتفتكري كل حاجة.
همست: ـ وأنت؟
صمت.
وكان ذلك الجواب الأسوأ.
دفعها بعنف قبل أن يقترب منها الوحش.
ابتلعها الباب قبل أن تتمكن حتى من الصراخ.
شعرت وكأن جسدها يسقط عبر فراغ لا نهاية له، والظلام يلتف حولها من كل جانب.
آخر ما رأته قبل أن تغلق عينيها، كان تميم.
واقفًا أمام الوحش، والدم ينساب من كتفه، لكنه رغم ذلك كان يبتسم لها ابتسامة هادئة على نحو مؤلم.
وحين تحركت شفتاه للمرة الأخيرة، التقطت همسته بالكاد:
ـ عيشي.
ثم ابتلع الظلام كل شيء.
ــــ
استفاقت دارين فجأة، تلهث بعنف.
أشعة الشمس تتسلل من نافذة غرفتها، وصوت طرق متكرر على الباب.
ـ دارين! يلا بسرعة، الطابور هيبدأ!
جلست في فراشها مشوشة، تنظر حولها بعدم تصديق، غرفتها، المعسكر، كل شيء كما كان.
لكن هذه المرة... هي تتذكر.
تتذكر الباب، الغابة، الوحش، وتميم. 
نهضت بسرعة وخرجت من الغرفة كأنها تطارد شيئًا على وشك الضياع.
نزلت الدرج بخطوات متعثرة، وعيناها تبحثان عنه وسط الطلبة.
إلى أن رأته.
كان واقفًا قرب الساحة، مرتديًا ملابسه السوداء المعتادة، ممسكًا بملف تحت ذراعه.
نفس الملامح.
نفس الندبة أعلى حاجبه الأيسر.
نفس البرود.
شعرت بقلبها يقفز داخل صدرها.
ركضت نحوه دون تفكير.
ـ تميم!
رفع رأسه إليها ببطء.
نظر إليها للحظات بصمت، كأنه يحاول فهم سبب لهجتها المضطربة.
ثم قال ببرود هادئ:
ـ نعم؟
توقفت أمامه، أنفاسها متسارعة.
ـ أنت... كويس؟
عقد حاجبيه قليلًا. ـ المفروض أكون مش كويس ليه؟
شعرت بشيء بارد يهبط في معدتها.
همست بصوت مرتجف: ـ أنت مش فاكرني؟
طال صمته لثوانٍ بدت لها أطول من العمر.
ثم هز رأسه ببطء.
ـ آسف. أول مرة أشوفك.
اتسعت عيناها.
كأن أحدهم انتزع الهواء من رئتيها دفعة واحدة.
تراجعت خطوة للخلف، تحدق فيه غير مصدقة.
كل شيء عاد، إلا هو.
خفضت رأسها، وضحكة صغيرة مهزوزة أفلتت منها رغم الدموع المتجمعة في عينيها.
ـ طبعًا... لازم يبقى في ثمن.
رفع تميم حاجبه باستغراب، لكنه لم يعلّق.
في تلك اللحظة، تحرك شيء خلفه.
رفعت دارين رأسها ببطء.
في آخر المعسكر، كان الباب القديم ما زال في مكانه.
وعقرب الساعة...يتحرك.
تك...
نظرت إليه طويلًا، ثم عادت ببصرها إلى تميم.
هذه المرة، لم تشعر بالخوف.
بل بالعزم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، رغم الحزن العالق في صدرها.
وقالت وكأنها تعد نفسها قبل أن تعده:
ـ تمام يا تميم... شكله جه دوري أنا المرة دي.

هل ستنتصر دارين على اللعنة؟
هل تستحق ذكرى واحدة كل هذا العذاب؟
#حنان_حسن 
#لعنة_الذاكرة
#زادك

إرسال تعليق

0 تعليقات