"سلام"
وجع_ُ الطفولة_ِ البريئة"سلام"
"هل ترين كم السماء صافية يا أمي؟!
أشعر بأني أراها لأول مرة!"
لم تُنهِ كلمتها بعد عندما صرخت قائلةً: "لقد قُصفنا يا أمي"...
مرت الساعات، وعانق الليلُ السماء، كما عانق اللحمُ المفتت الأنقاضَ.
فاحت رائحة الدم في المكان، لتوقظ غريزة الكلاب الضالة، فهناك من جعل من الإنسان طعاماً للحيوان.
أيقظها عواء الكلاب، كانت تحت سقف البيت متوارية عن الأنظار.
_ سلام: مَ.. مَ.. ما الذي حدث؟ وأين أنتِ يا أمي؟ وأين البيت؟ وأين أنا؟
فتحت عينيها بصعوبة بالغة وقالت ببطء شديد:
_ عيناي ليستا عيناي، مَن نثر داخلهما الرمال؟!
حاولت النهوض لكنها فشلت، فنظرت إلى قدميها وصرخت: قدماااااااااااي!
كان ما تبقى من البيت قليلاً، فـانهار...
لكنها مصرة على إكمال الطريق، لترى أفراد عائلتها وتساعد الناجي منهم، فوضعت يدها على شيءٍ ظنته الأرض، لكنه كان جسد أُمها.
_ هذه أنتِ يا ملاكي!!
تساقطت العبرات كشتاء كانون على المشهد المروع الذي تراه، كيف لطفلة بعمرها أن تتجاوز هذا المنظر؟!
سيطر الخوف عليها، ولبثت في مكانها بعد أن رأت ما رأته؛ أرادت بقاء صورهم في ذاكرتها أحياء لا أشلاء.
مسحت عينيها بكفيها بعد أن غسلتهما العبرات، ونظرت حولها ثم قالت:
_ هل هناك أحد؟!
أنا هنا تحت الأنقاض، أرجوكم أريد دفن رفات أمي.
أجيبوني، هل هناك أحد؟!
مرت ثلاثة أيام بلياليها وسلام تستنجد، لكن ما من مجيب.
شعرتْ أن هناك أحداً في المكان، فنظرت لتتأكد إن كانوا حيوانات أم بشراً، فكانوا حيوانات على هيئة بشر.. جنود الاحتلال...
التزمت الصمت كي لا يكتشفوا وجودها، لكن هناك من كسر صمتها، واختار المكان الذي تختبئ تحته ليتبول فوقه، وتنال هي ما تناله من البول.
ماذا ستفعل وماذا ستقول؟! لا شيء، فالصمت إجباري هنا.
ظلت سلام على حالها تستنجد وتقول: هل هناك أحد؟ لكن ما من مجيب.
شعرت بشيء يمشي على فخذيها، فكان دوداً أبيض يلتهم لحمها المتعفن.
لم تكن تعلم أن الله أرسله لها ليداوي جرحها ويذهب بسلام.
_ ظلت تناجي ربها وتقول: ساعدني يا الله، أرجوك يا الله، فما من أحد سواك يا أحد.
وفاستجاب الله لدعائها عندما اهتزت الأرض من حولها، وبعثرت ما تبقى من جسدها، وارتفعت روحها إلى السماء، عندها أدركت لماذا كانت السماء صافية.
تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقا لنكمل مسيرتنا وندعم المزيد.