عنوان النص: صورة في جيب غريب

#تشتت#علاقات#صجة نفسية
عنوان النص:صورة -في -جيب-غريب

الساعة السابعة صباحاً، أقف في هذا السوق مرةً أخرى. لقد اشتريت بالأمس هذا المعطف المستعمل من هنا؛ اشتريته كي يدفئني من برد الشتاء، فإذ به يسلبني دفئي المتبقي، ويجعلني أتساءل في داخلي: "من أكون؟"
سؤال صعب جداً، لم أعرْهُ انتباهاً طيلة حياتي.

اقتربتُ من ذلك المحل بتوتر واضح، وكأن هناك حقيقة عظيمة على وشك أن تُكشف. تذكرتُ بالأمس عندما رجعتُ إلى منزلي، ووقفتُ أمام مرآتي أرتدي ذلك المعطف، فوجدته يناسبني تماماً كأنه خُلق لأجلي. أدخلتُ يديَّ في جيوبه لأحصل على بعض الدفء، فباغتتني ورقة بداخله. أخرجتها بهدوء، ومسحتُ طبقة التراب الرقيقة عنها متفقداً هيكلها المتهالك؛ لقد كانت صورة فوتوغرافية لطفل وامرأة. ركزتُ أكثر في ملامح الطفل، ووجدتُ أن ذلك الطفل هو أنا! نعم، هذه النظرات المشتتة هي نفس نظراتي، وتلك الشامة عند ذقنه، وكلما ركزتُ أكثر وجدتُ التشابه بيننا يكبر ويكبر.
ومن هنا بدأتُ أتساءل: "من هذا؟" وهل هذا الطفل أنا حقّاً؟"

خرجتُ من أفكاري عند وصولي إلى المحل المقصود، ووقفتُ محاولاً إظهار بعض الهدوء الذي عاكس دواخلي تماماً.

 نظرتُ إلى ذلك العجوز قائلاً له: "يا حاج محمد، هل تعرف صاحب هذا المعطف؟"
نظر المدعو إليَّ باستغراب من سؤالي قائلاً: "يمر عليَّ الكثير من الملابس، كيف لي أن أتذكر أصحابها؟ ولكن دعني أتفحصه، فمن الممكن أن أعرفه". 
لأومأ له ومددتُ يدي لأعطيه إياه.
نظر إليه قليلاً، ثم قال وهو لا يزال يتأمل المعطف: "نعم، هذا المعطف صاحبه قد باعه بالأمس كي يسدد ثمن بعض المشروبات في تلك القهوة التي على أول الطريق، فهو يجلس في ذلك المقهى أغلب الأوقات".

همهمتُ له قائلاً: "هل تتذكر شكله، هيئته، أي شيء؟"
ناظرني ببعض الشك، ثم ردَّ أخيراً: "نعم، هو رجل طويل القامة، أسمر البشرة، أعرجُ ويمشي متكئاً على عكاز بني".
شكرته، وسرتُ بعدها قاصداً ذلك المقهى، والارتباك ينتابني؛ فأنا على بُعد خطوات معدودة من معرفة الحقيقة. شعرتُ وكأن هذه الحقيقة لا تريد أن تُكشف، فكلما تقدمتُ خطوة للأمام شعرتُ بأن الطريق يطول أكثر كأنه يقاومني.
وصلتُ أحيراً إلى ذلك المقهى، ووقفتُ بالخارج ألتقط أنفاسي كأني كنتُ أركض منذ قليل. تأملتُ المقهى من الخارج؛ كان شكله عتيقاً، يغلب عليه اللون البني الذي يبعث في النفس الراحة. دخلتُ بهدوء، ومسحتُ الأشخاص الموجودين بعينيَّ، لأجد أخيراً الرجل المقصود؛ رجل طويل القامة، أسمر البشرة، ويستند بجانبه عكاز بني، تماماً كما وصفه العجوز. تذكرتُ التوتر البالغ الذي تملكني حينها، ولا أعرف لماذا!
وضعتُ يدي على كَتِفه بوجل، فالتفتَ إليَّ بهدوء قائلاً: "ماذا هناك؟"
ناظرته بهدوء وسألته: "هل أنت صاحب هذا المعطف؟"عاين المعطف سريعاً وقال أخيراً: "نعم".

وضعتُ يدي في جيب المعطف، وأخرجتُ تلك الصورة شبه المتهالكة بفعل مرور الزمن، مددتها إليه ويدي ترتجف كأن برودة ديسمبر قد احتلت جسدي، وسألته: "لماذا صورتي وأنا صغير موجودة فيه؟"
التقط الرجل الصورة بلا مشاعر، ودون أي رد فعل واضح على محياه، ثم تأملها بهدوء قائلاً: "هذه صورتي وأنا طفل، وهذه أمي".

قلتُ بصوتٍ عالٍ قليلاً مدفوعاً بغضبي: "ولكن هذا أنا! تلك الشامة لدي، وهو يشبهني كثيراً!".

عقد حاجبيه يتأمل ملامحي قليلاً ثم ملامح الطفل، وقال بهدوء وكأن كلماته القادمة ستكون ثقيلة جداً على كاهلي: "أنت لا تشبه هذا الطفل في شيء؛ حتى تلك الشامة لا يوجد عندك مثلها، فكلاهما في مكانين مختلفين... أنت فقط تبحث عن وجهك في وجوه الآخرين".

تصلبتُ في مكاني من وقع كلماته... نعم، لقد عشتُ طيلة حياتي في حياة الآخرين، كنتُ دائماً أبحث عن وجهي في وجوه الآخرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ک:مريم رمضان 
#نص#الضياع#الذكريات#التشتت

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تبًا

" الضوء الذي لا يُخطئ موعده "

العنوان: بداخلي ـ روح ـ مبعثرة