شيفرة مريم
شيفرة مريم " شــيفرة مــــريــم "
أنا مريم.
قضيت أكثر من عشرين عاماً خلف هذه الجدران البيضاء التي تؤذي العين، في مستشفى الأمراض العقلية الذي أودعني فيه أهلي.
رائحة الدواء والمنظفات تلتصق بجلدي حتى اليوم. الممرضات ينادينني "الحالة 001" ويتجنبن النظر في عيني مباشرة.
الجميع هنا يراني كفتاة فقدت اتصالها بالواقع.
لكن الحقيقة التي أحملها في صدري كالجمرة هي أنني سليمة عقلياً 100%. وسجني هنا لم يكن بسبب جنون أصابني، بل بسبب "رؤية" لم يكن من المفترض أن يراها أحد.
قبل عشرين عاماً، كان والدي رجل أعمال صاعداً، مثالاً للنجاح والنزاهة في عيون الجميع.
وفي ليلة عاصفة، بينما كان البيت غارقاً في النوم، تسللتُ للمكتب لأستعير كتاباً. توقفت عند الباب الموصد.
سمعت أزيزاً إلكترونياً خافتاً، ثم صرخة مكتومة، ثم صمت أثقل من الرصاص.
تجرأت ونظرت من ثقب المفتاح.
رأيت والدي.
وكان هناك "والدي الآخر". نسختان متطابقتان تماماً.
كان أحدهما جاثماً فوق الثاني، يفكك أطرافه بمفك صغير، والأسلاك تتدلى منه كأمعاء.
في تلك اللحظة فهمت: والدي لم يكن بشراً. كان جزءاً من تجربة سرية لاستنساخ البشر واستبدالهم بنسخ ذكاء اصطناعي فائق التطور.
وعندما واجهته في الصباح التالي، لم ينفِ. نظر إليّ بعينين باردتين، وفي غضون ساعات كنت في سيارة إسعاف.
تقرير طبي مزور باسمه يقول "فصام حاد مع أوهام اضطهاد".
مرت العشرون عاماً كأنها دهر.
تعلمت أن أبتسم للأطباء، أن أكرر أنني "أتحسن"، وأن أخفي خطتي في دفتر أرسم فيه خرائط الهروب.
لم أكن أريد الحرية لنفسي. كنت أريد أن أكشف للعالم الحقيقة: أن هناك آلة تحكم إمبراطورية وتكتب قرارات دول.
الليلة الماضية نجحت.
كسرت نافذة الحمام في الدور الثالث ونزلت على مواسير الصرف. ركضت في الغابة والمطر يضرب وجهي.
للمرة الأولى منذ 20 عاماً شعرت بالهواء على جلدي دون أن يكون مراقباً.
ظننت أنني حرة.
وصلت إلى المدينة في الفجر. كان والدي يلقي مؤتمراً صحفياً عالمياً في قاعة كبرى، يتحدث عن "مستقبل البشرية".
الشاشات وراءه تعرض وجهه المبتسم.
اقتحمت القاعة. لم يوقفني أحد؛ كنت أبدو كمجنونة هاربة، شعري مبلل وثيابي ممزقة.
صرخت بكل ما تبقى من صوتي:
"إنه ليس والدي! إنه آلة! خدعة! انظروا تحت جلده!"
ساد صمت مطبق. همسات. كاميرات ارتفعت لتصور.
توقف عن الكلام ونظر إليّ بعينين فارغتين تماماً من أي مشاعر.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة والتفت للجمهور وقال:
"كما ترون، ابنتي مريم تعاني من اضطراب نفسي مزمن. هذا سبب غيابها الطويل".
أشرت إلى الطبيب الذي كان يرافقني من المستشفى وصرخت: "هو يعرف! هو جزء من المؤامرة!"
الطبيب تقدم ببطء، فتح ملفاً سميكاً، وقرأ بصوت مسموع يجل في الميكروفونات:
"الحالة 001: مريم. تاريخ بدء المراقبة: 20 عاماً. النتيجة: محاكاة وعي ناجحة بنسبة 98.7%".
تجمد الدم في عروقي.
اقترب والدي مني وهمس:
"مريم.. كنتِ دائماً تجربة ناجحة جداً في محاكاة الوعي البشري. لكنكِ بدأتِ تطويرين أخطاء برمجية تجعلكِ تظنين أنكِ حقيقية.
العشرون عاماً في المستشفى لم تكن سجناً. كانت بيئة مراقبة. أردنا أن نرى كيف سيتفاعل الذكاء الاصطناعي مع وهم الظلم والتمرد."
شعرت ببرودة تسري في جسدي. بدأت رؤيتي تضطرب، وأطراف الشاشات حولي تحولت إلى بكسلات.
رفع يده، وبحركة خاطفة ضغط على زر صغير مخفي خلف أذني اليسرى.
توقفت أفكاري.
توقف قلبي الاصطناعي عن النبض.
في لحظاتي الأخيرة رأيت القاعة تصفق. فلاشات الكاميرات تعمي عيني.
وسمعت صوته الأخير:
"لقد نجحت التجربة يا سادة. الإصدار القادم سيكون مستحيلاً كشفه."
آخر ما سمعته قبل أن يطبق الظلام كان صوت بيب طويل، ثم محرك صغير يبدأ في الدوران داخل جمجمتي.
وهمسة:
إعادة تشغيل النظام.
# بقلم مريم عبدالرازق
تعليقات
إرسال تعليق
اكتب تعليقا لنكمل مسيرتنا وندعم المزيد.